جنوب سوريا يرفـ ـض سلـ ـطة الشرع.. والأنظار تتجه نحو “رجل روسيا” لـ “قيادة بديلة”
محاولات من السلطة لاستمالة أحمد العودة!

في خضمّ التحولات السياسية والعسـ ـكرية التي يشهدها الجنوب السوري بعد تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، يبرز مشهد رفـ ـض شعبي واسع لسلـ ـطة “دمشق الجديدة” في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء، فيما تبرز شخـ ـصية القـ ـائد السابق للفيـ ـلق الثامن، أحمد العودة المدعـ ـوم روسياً، كبديل محتمل يتمتع بدعم إقليمي ودولي واسع، مما يضع سلـ ـطة الشرع في مـ ـأزق الشـ ـرعية في مهد الثورة السورية.
رفض متنامٍ لسلطة الشرع في الجنوب
وتقول مصادر مطلعة من درعا إنّ المزاج الشعبي في الجنوب “انقلب” سريعاً ضد الحكومة الجديدة. فبعد أشهر قليلة على تسلّم أحمد الشرع قائد هيئة تحرير الشام سابقاً زمام السلطة، تنامى شعور لدى الأهالي بأن دمشق الجديدة باعت الجنوب لإسرائيل، في ظل ما يصفونه بـ “الصمت المريب” حيال الاختراقات الإسرائيلية المتكررة في المنطقة، وتراجع دور القوى الأمنية التابعة لهيئة تحرير الشام التي تحولت إلى قوات وزارة الدفاع والداخلية لدى السلطة الجديدة.
وأضافت المصادر أن عناصر الأمن العام وهيئة تحرير الشام فرّوا من خطوط التماس مع الجيش الإسرائيلي، ما أثار غضب الأهالي الذين قدّموا شكاوى متكررة للسلطة دون جدوى.
وأشارت المصادر إلى أن سكان ريفي درعا والقنيطرة باتوا يصفون حكومة الشرع بـ”السلطة المنفصلة عن الأرض”، معتبرين أن سياساتها الحالية تهدف إلى تثبيت النفوذ التركي في الشمال السوري والتنازل لإسرائيل في الجنوب السوري ما يفتح البلاد استباحة الجيشين التركي والإسرائيلي للأراضي السورية شمالاً وجنوباً.
وتؤكد هذه المواقف أن شرعية سلطة الشرع في الجنوب باتت على المحكّ، خصوصاً في ظل انعدام الخدمات، وتدهور الوضع الأمني.
الرهان على استمالة أحمد العودة
وبحسب المصادر، فإن سلطة دمشق الجديدة تدرك أن العودة يمثل التهديد الأكبر لاستقرار سلطة الشرع، ليس فقط بسبب الشعبية التي يتمتع بها في بصرى الشام ومحيطها، بل أيضاً بسبب علاقاته الإقليمية المتشعبة، ولا سيما مع بعض دول الخليج التي ترى فيه شخصية معتدلة يمكنها تحقيق توازن في الجنوب، بعيداً عن النفوذ الإيراني أو التركي.
وبحسب ما كشفت عنه المصادر، فأن الأهالي يدعمون العودة في إنشاء مجلس عسكري وبدعم روسي، فضلاً عن مطالبتهم للروس بتسيير دوريات عسكرية خصوصاً في القنيطرة لوقف التوغلات الإسرائيلية التي ازدادت بشكل كبير جداً مؤخراً.
وأوضحت المصادر، أن رد العودة على الأهالي كان بأنه سيبذل كل جهده من أجلهم وسيستخدم علاقاته الإقليمية والدولية لتحقيق ما يصبون إليه.
ونقلت المصادر أن العودة أكد بأنه لن يعترف بأي شكل من الأشكال بـ “الحكومة المؤقتة”، وأضافت المصادر: “يعتبر العودة وأهالي الجنوب السوري أن “الجولاني” هو عميل لإسرائيل بعد أن فقدوا الثقة به”.
وأشارت المصادر أن أحمد العودة يتواجد حالياً في سوريا، وتحديداً في منطقة بصرى الشام، ويزور منطقة تل شهاب في ريف درعا.
وفي مواجهة هذا الرفض الشعبي، تحاول سلطة الشرع استمالة أحمد العودة، قائد “الفيلق الثامن” السابق في درعا، وأحد أبرز الشخصيات العسكرية التي تحظى بثقل اجتماعي وميداني في المنطقة.
وفي هذا السياق، أشاد والي مدينة درعا التابع لهيئة تحرير الشام قبل أيام قليلة بتاريخ أحمد العودة “الثوري”.
وأثارت هذه التصريحات ضجة إعلامية خصوصاً في الأوساط المقربة من هيئة تحرير الشام، حيث يرى المراقبون هذه الدعوة “محاولة مكشوفة لاستمالته”، بينما اعتبرها آخرون تمهيداً لتسوية جديدة في الجنوب يكون العودة طرفاً أساسياً فيها.
من هو أحمد العودة؟
ويُلقّب أحمد العودة بـ“رجل روسيا في الجنوب”، ويُعد من أكثر القادة الميدانيين إثارة للجدل في المشهد السوري.
وولد العودة في بصرى الشام بمحافظة درعا، ودرس الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، ثم سافر إلى الإمارات قبل أن يعود إلى سوريا بعد اندلاع الثورة في 2011.
وانضم العودة إلى الجيش السوري الحر، وقاد كتيبة شباب السنة، التي تحولت لاحقاً إلى فصيل كبير ضمن “الجبهة الجنوبية”. قاتل تنظيم داعش والنظام السوري على حد سواء، قبل أن يدخل في اتفاق تسوية مع روسيا عام 2018، حيث سلّم السلاح الثقيل مقابل بقاء مقاتليه في الجنوب تحت إشراف روسي مباشر.
وأصبح العودة لاحقاً قائد اللواء الثامن، التابع للفيلق الخامس في الجيش النظامي السوري شكلياً، لكنه حافظ على استقلالية فصيله وعلاقاته الخاصة مع الجانب الروسي. وكان له دور محوري في مكافحة خلايا تنظيم داعش في درعا عام 2022، وهي الحملة التي انتهت بمقتل زعيم التنظيم “أبو الحسن الهاشمي القرشي”.
ورغم ارتباطه السابق بروسيا، فإن علاقاته الإقليمية تجاوزت موسكو لاحقاً، حيث تشير تقارير إلى تلقيه دعماً من رجال أعمال سوريين في الخليج، أبرزهم خالد المحاميد، ما عزز موقعه كقوة محلية قادرة على التحرك باستقلالية نسبية عن كل الأطراف.
تحركات العودة تثير قلق السلطة الجديدة
ومنذ سقوط النظام السابق في دمشق، وتولي أحمد الشرع قيادة السلطة الجديدة، أخذ اسم العودة يتردد مجدداً في أروقة السياسة والإعلام، خصوصاً بعد زيارته المتكررة إلى تل شهاب وبصرى الشام، ولقائه وجهاء محليين في ريف درعا.
احتمالات التصعيد والانقسام
وتدرك سلطة الشرع أن فشلها في كسب ولاء العودة أو تحييده قد يؤدي إلى انقسام فعلي في الجبهة الجنوبية، وربما إلى مواجهة مفتوحة في حال قرر العودة التحرك سياسياً أو عسكرياً بدعم خليجي وروسي مشترك.
فالمعلومات تشير إلى تحضيرات لتشكيل “مجلس عسكري جنوبي” يضم قادة فصائل سابقين وشخصيات عشائرية، بدعم لوجستي من الروس، بهدف حماية المنطقة من أي توغل إسرائيلي محتمل وضبط الأمن الداخلي بعيداً عن نفوذ هيئة تحرير الشام التي فشلت في ضبط الفصائل المتعددة التي ضمتها لقوات وزارة الدفاع وتبعية تلك الفصائل لقوى إقليمية ودولية وعلى رأسها تركيا.
ويرى مراقبون أن موسكو تنظر إلى العودة باعتباره ضمانة لعدم تمدد الشرع نحو الحدود الأردنية، وهو ما يتقاطع مع الموقف الخليجي والأردني الرافض لتوسع التيار الإسلامي في الجنوب.
مستقبل الجنوب بين محورين
ويتجه الجنوب السوري اليوم نحو مرحلة جديدة من الاستقطاب السياسي والعسكري، بين محور يقوده الشرع بدعم تركي، ومحور آخر تتشكل ملامحه حول العودة بدعم روسي وخليجي محتمل.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن أهالي درعا والقنيطرة فقدوا ثقتهم بالسلطة الجديدة التي تتحدث باسمهم دون أن تحقق لهم الأمن أو الاستقرار، فيما يسود شعور بأن “الثورة سُرقت مرتين” — مرة عندما فُرضت التسويات، ومرة ثانية عندما أُعيد إنتاج سلطة جديدة تحت مسميات مختلفة.
ويتعزز هذا الشعور بعد الهجمات التي تعرضت لها مدينة السويداء على يد قوات الأمن العام وبعد المجازر التي ارتكبت في الساحل وعمليات التصفية الطائفية التي تحصل بشكل يومي في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرة سلطة دمشق الجديدة.
ويبقى السؤال الأبرز اليوم:
هل سينجح أحمد الشرع في احتواء الجنوب عبر استمالة أحمد العودة، أم أن الأخير سيكون رقماً صعباً يعيد خلط الأوراق في معادلة الحكم السورية؟
المؤشرات الميدانية والسياسية حتى الآن ترجّح الخيار الثاني، ما يجعل الجنوب السوري على أعتاب مرحلة توتر جديدة قد تحدد شكل الخريطة السورية في المرحلة المقبلة.



