تصريحات مرتـ ـبكة… ولجنة تحقـ ـيق مكرّرة: قـ ـلق شعبي من تكرار سيناريو تحقيـ ـقات الساحل في السويداء
تصريحات مطمئنة ونتائج غائبة وفاعلٌ مجهول دوماً ومجرمون خارج دائرة المحاسبة

أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس اللجنة الوطنية المكلّفة بالتحقـ ـيق في مجـ ـازر السويداء موجـ ـة انتقـ ـادات واسعة، بعدما كشف حديثه عن سلسلة من التنـ ـاقـ ـضات الجوهرية التي عمّـ ـقت الشـ ـكوك حول جـ ـدّية التحقـ ـيقات وشفافيتها، وخشـ ـية أن تنتـ ـهي تحقيـ ـقاتها كما انتهت في الساحل.
ففي الوقت الذي شدد فيه رئيس اللجنة على أنه “لم يثبت مشاركة مقاتلين أجانب في أحداث السويداء”، عاد ليؤكد أن “بعض الأشخاص من المقاتلين الأجانب دخلوا بشكل فردي وعشوائي إلى المدينة”. هذا التناقض يطرح تساؤلات حقيقية حول منهجية لجنة التحقيق: فدخول مقاتلين أجانب بشكل “عشوائي” يتنافى مع طبيعة الانضباط العسكري لتشكيلات تتبع أساساً لوزارة الدفاع لدى سلطة دمشق، ما يضعف الرواية الرسمية بدل أن يعزّزها.
ولم يقف الجدل عند هذا الحد، إذ وعد رئيس اللجنة بمحاسبة كل المتورطين، بينما تشير المعلومات إلى أن عدداً ممن يتهمهم الأهالي بعمليات خطف وقتل وانتهاكات خطيرة مازالوا يتحركون بحرية في مناطق سيطرة سلطة دمشق دون أن يتم استدعاؤهم أو مساءلتهم، ما يثير شكوكاً حول انتقائية التحقيق وانحيازه.
كما حاول رئيس اللجنة التقليل من دور التحريض الإلكتروني بالقول إنه اقتصر على “أشخاص محدودين”، في حين تؤكد الوقائع الموثقة انتشاراً واسعاً لخطابات الكراهية والتحريض ضد مكوّن الدروز، مست معتقداتهم ورموزهم الدينية، ورافقتها جرائم اعتداء وتخريب، أبرزها حادثة سرقة وتدمير أحد الكنائس في الصور الكبرى، دون أن تُعلن أي إجراءات واضحة بحق الفاعلين.
ويرى المرصد السوري أن هذه التناقضات ليست مجرد هفوات لفظية، بل مؤشرات مقلقة على اتجاه التحقيق نحو المسار ذاته الذي اتخذته لجنة التحقيق في أحداث الساحل، والتي انتهت دون نتائج ملموسة أو محاسبة حقيقية، رغم مرور أشهر على المجازر. ويؤكد أن الخطاب الرسمي اليوم في السويداء، وما يحمله من تهوين للحقائق وتجاهل للمسؤولين الفعليين عن الانتهاكات، يعمّق مخاوف الأهالي من أن تتحول هذه اللجنة إلى نسخة جديدة من “لجنة بلا عدالة”.
ومع غياب الشفافية، وتفكك الرواية الرسمية، وغياب أي خطوات قضائية جدية، تتصاعد حالة القلق الشعبي في السويداء، حيث يخشى السكان أن تبقى الحقيقة طي الكتمان، وأن تتكرر الحلقة ذاتها: لجان تحقيق تُعلَن، تصريحات مطمئنة تُلقى، ثم ينتهي كل شيء دون محاسبة… فيما تبقى الانتهاكات والفاعلون الحقيقيون خارج دائرة القانون.
مجازر الساحل في آذار… والدماء ذاتها في السويداء في تموز
هذا ووقعت مجازر في الساحل السوري خلال شهر آذار من العام الجاري، والتي شكّلت إحدى أكثر الهجمات دموية في المنطقة خلال هذا العام، حيث شهدت قرى وبلدات عدة في الساحل السوري سلسلة عمليات قتل مروعة على يد قوات سلطة دمشق والمجموعات التابعة لها، أسفرت عن سقوط أكثر من 1500 قتيل من أبناء الطائفة العلوية وفق ما وثقها المرصد السوري لحقوق الإنسان وتحقيق أجرته وكالة رويترز، بينهم نساء وأطفال، وسط غياب كامل لأي تحقيقات شفافة أو محاسبة للمتورطين، رغم أن الكثير من الأهالي حددوا أسماء جهات مسؤولة عن الهجمات وظهر الكثير من عناصر وزارة الدفاع بالصوت والصورة وهم يرتكبون تلك المجازر بدم بارد.
وفي شهر تموز، تكررت المجازر في محافظة السويداء، حيث اعتبرت هذه المجازر واحدة من أكثر المجازر دموية بعد هجمات داعش على السويداء عام 2018، حيث تم توثيق مقتل أكثر من 1600 شخص بينهم المئات من المدنيين من أبناء الطائفة الدرزية الذين جرى إعدامهم ميدانياً وبدم بارد بعد هجمات شنتها قوات سلطة دمشق وبدعم من العشائر على المحافظة.
ورغم خطورة هذه المجازر، لم تتخذ سلطات دمشق أي إجراءات حقيقية لوقف الانفلات الأمني أو ملاحقة الفاعلين، ما زاد من غضب السكان وشعورهم بأن أرواحهم هي خارج حسابات السلطة.
هذه الخلفية الدامية تزيد من قلق الشارع اليوم، إذ يخشى أبناء السويداء أن تسلك اللجنة المكلفة بالتحقيق المسار ذاته الذي اتبعته لجنة التحقيق في مجازر الساحل: تصريحات مطمئنة، ونتائج غائبة، وفاعلٌ مجهول دوماً وبقاء المجرمين الحقيقيين خارج دائرة المحاسبة مما يجعل الباب مفتوحاً أمام مجازر في مناطق سورية أخرى.



