تصـ ـعيد إسـ ـرائيلي وتعـ ـتيم من قبل سلـ ـطة دمشق: معادلة تفـ ـرض وقائع جديدة

أعاد إسـ ـرائيل كاتس – وزير الدفاع الإسـ ـرائيـ ـلي – التأكيد في تصريحاته الأخيرة أن “إسـ ـرائيل لن تتراجع عن مرتفعات جبل الشيخ وغيرها من المناطق التي سيـ ـطرت عليها في جنوب سوريا”، وأن قـ ـواته ستبقى في “المنطقة الأمـ ـنـ ـية” بصورة دائمة لضمان ما وصفه بـ”أمـ ـن الجولان والجليل”. هذا التصريح يُعد وصمة رسمية على تحول الاحتلال إلى واقع دائم، وليس مجرد تحرّك عسكري مؤقت.
ومن الجانب السوري — أو على الأقل من جانب وسائل الإعلام التابعة لما يُطلق عليها “الحكومة المؤقتة” — بدت التغطية الإعلامية تجاه هذا التمدّد مشوبة بـ”صمت شبه كامل” أو بتغطية انتقائية لمواضيع داخلية. هذا ما يشي بأن الإعلام يعمل كأداة لصرف الانتباه عن موضوع السيادة الوطنية، لصالح قضايا داخلية؛ ما يوحي بأن هناك خيارات سياسية أو ضغط خارجي يدفع نحو “طمس” الملف الخارجي، أو جعل موضوع الاحتلال أمراً خارج الأولويات.
وبدلاً من الحديث عن واقع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، يظهر إعلام سلطة دمشق وكأنه يتحرك ضمن خطاب مدروس يهدف إلى خلق توترات بين المكوّنات السورية المختلفة، عبر التركيز على حملات تحريضية تستهدف قوات سوريا الديمقراطية والعلويين والكورد والدروز على حدّ سواء.
هذا الخطاب يسعى في الأساس إلى دفع الشارع السوري نحو صراعات جانبية تُعيد إنتاج الانقسامات القديمة وتعمّق الشرخ الاجتماعي لتمكين سلطة دمشق من جهة والتغطية على التمدد الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. فيما يقوم إعلام سلطة دمشق بتضخيم أحداث فردية، أو تفسيرها بطريقة طائفية أو مناطقية، ما يحوّل الانتباه عن المخاطر الحقيقية التي تهدد البلاد — كما في حالة التوسع العسكري الإسرائيلي في الجنوب، أو تراجع السيادة على الأرض — ليُغرق المجتمع في مشاعر الخوف والعداء المتبادل. والنتيجة أن هذه الحملات تعزز بيئة من التوتر، وتُضعف فرص بناء موقف وطني موحد في مواجهة التحديات المصيرية التي تواجه سوريا.
لماذا التعتيم؟ ولمصلحة من؟
ويبدو التعتيم الإعلامي على التطورات في الجنوب السوري جزءاً من استراتيجية أوسع لسلطة دمشق تهدف إلى منع تشكّل وعي عام بخطورة ما يجري على الأرض. فإخفاء واقع الاحتلال أو التوسع الإسرائيلي يحول دون إدراك الشارع لحجم التغيير في السيطرة، وبالتالي يحدّ من المطالب الوطنية المتعلقة بالسيادة واستعادة الأرض.
ومع غياب المعلومات الدقيقة، يصبح الجمهور أقل قدرة على فهم التحولات الجغرافية والأمنية التي تصنع وقائع جديدة في الجنوب.
وفي الوقت نفسه، يجري توجيه الاهتمام نحو صراعات داخلية طائفية ومناطقية، بحيث يُصرف نظر السوريين عن التهديد الخارجي الأكثر خطورة.
هذه الاستراتيجية تُشتّت المجتمع بين خصومات داخلية مفتعلة، وتُغرقه في قضايا فرعية، فيما تتراجع الأولوية للملف الوطني الأساسي المتعلق بالحدود والسيادة.
كما يؤدي غياب النقاش العام حول قضايا مثل جبل الشيخ والجولان إلى إضعاف إمكانية تكوين جبهة وطنية موحدة ضد الاحتلال، وهو ما يصبّ في مصلحة القوى التي تستفيد من استمرار الانقسام والفراغ السياسي.
مخاطر هذا الواقع على سوريا
هذا الواقع يحمل مخاطر كبيرة على سوريا. فالتصريحات الإسرائيلية الأخيرة توحي بأن الاحتلال يسير نحو الترسخ، ما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية وأمنية تمتد لعقود. ومع الانشغال بالفتن الداخلية، تتعرض الهوية الوطنية للتفكك، ويتعمق الشرخ بين المكوّنات، الأمر الذي يسهّل أي مسعى لسلخ فعلي أو لإعادة رسم الحدود.
كما أن غياب الوعي الشعبي والإعلامي يقلل من حجم الضغط المطلوب لخلق موقف رسمي أو دولي قادر على مواجهة الاحتلال. وفي ظل ضعف السلطة المركزية، يزداد احتمال ترسيخ نفوذ قوى خارجية داخل الأراضي السورية.
حادثة بيت جن التي وقعت الجمعة الماضية، وتصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي، وتوسّع الاحتلال إلى جبل الشيخ وما حوله، تشكل صفعة للسيادة السورية. أما التعتيم الإعلامي الداخلي – أو التغطية الانتقائية – فتعكس استراتيجية مزدوجة: أولاً لإضعاف الوعي الوطني، وثانياً لتحويل الانتباه الداخلي إلى صراعات جانبية.
وفي ظل غياب ردّ واضح من السلطة، واشتغال إعلامه على خلط الأوراق بين المكونات، تصبح سوريا أمام واقعٍ جديد: احتلال دائم، تقسيم داخلي، وضياع فرصة سيادة موحدة.



