ما بعد “قيـ ـصر”: هل تكفي نهاية العـ ـقـ ـوبـ ـات لجذب الاستثمارات في سوريا؟

العقـ ـبة الحقيقية في الداخل: قانون هـ ـشّ وقـ ـضـ ـاء مثقل وانعدام أمـ ـن

مع تصويت مجلس النواب الأميركي على إلغـ ـاء عقـ ـوبـ ـات “قيصر” ضمن مشروع موازنة الدفاع لعام 2026، تقترب سوريا من طيّ ست سنوات من أشدّ العـ ـقـ ـوبـ ـات التي كبّـ ـلت اقتصادها وقطاعها المـ ـالي. وفيما يُتوقع أن يقرّ مجلس الشيوخ القرار خلال أيام قبل أن يوقّعه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ترى الأوساط الاقتصادية السورية أن البلاد تقف على عتبة تحول اقتصادي، لكنّ نجاحه مـ ـرهـ ـون بقدرة سلطة دمشق على إدارة مرحلة ما بعد العقـ ـوبـ ـات.

ويروّج الخطاب الاقتصادي الرسمي في سوريا لمرحلة جديدة من الانفتاح وجذب رؤوس الأموال. غير أنّ التفاؤل لا يكفي وحده لجذب المستثمرين، فالعقبات التي تعيق الاقتصاد السوري ليست خارجية فحسب، بل داخلية أيضاً، وهي الأشد تأثيراً: منظومة قانونية غير مستقرة، قضاء غارق في البطء والضغوط، وبيئة أمنية مضطربة تجعل الاستثمار مغامرة عالية المخاطر.

استثمارات تبحث عن ضمانات… لا وعود

من الناحية النظرية، رفع العقوبات يفتح الباب واسعاً أمام تدفق استثمارات ضخمة، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتمويل. إلا أنّ المستثمرين – سواء دولاً أم شركات – لا يتخذون قراراتهم بالاستناد إلى “الرغبة السياسية” وحدها، بل وفق معايير الاستقرار والشفافية وقدرة القضاء على حماية العقود.

وهنا تظهر المعضلة المركزية: سوريا تفتقر اليوم إلى شركاء قانونيين موثوقين. فالقوانين الاقتصادية يمكن أن تتغيّر بمراسيم طارئة، والضرائب يمكن أن تتبدل بسرعة تفوق توقعات الشركات، والملكية لا تحظى بحصانة كافية في حال نشوء نزاعات.

قضاء مثقل… وغياب استقلالية

ويقول خبراء الاقتصاد إن أكثر ما يثير قلق الشركات العالمية هو “القضاء لا العقوبات”. فحتى مع عودة سوريا إلى النظام المالي العالمي، يبقى السؤال: ماذا يحدث عندما تختلف شركة مع جهة حكومية أو محلية؟ من يحمي العقد؟ من يضمن التعويضات؟ من يضمن عدم خضوع الملف لضغط سياسي؟

غياب استقلال القضاء، وعدم وجود محاكم تحكيم اقتصادية سريعة ومحايدة، يجعل الاستثمار في سوريا أشبه بإيداع رأس المال في جيب بلا قفل.

الأمن الاقتصادي: شرط غائب

التحدي لا يقتصر على القوانين والقضاء. فالمستثمرون يحتاجون إلى حدّ أدنى من الاستقرار الأمني، ليس فقط ضد المخاطر العسكرية، بل ضد الابتزاز، الفساد، الاحتجاز غير القانوني، وصراعات النفوذ المحلي.

ففي العديد من المناطق الخاضعة لسلطة دمشق تتواجد مجموعات مسلحة تتحرك بشكل مستقل عن وزارة الدفاع لدى السلطة، وهو ما يجعل الشركات تخشى التعرض لعمليات ضغط من مجموعات مسلّحة أو أجهزة محلية تفرض إتاوات غير رسمية أو تتدخل في عمل المشاريع. فالرسالة التي يقرأها المستثمر الأجنبي هي: الاستثمار في سوريا غير قابل للتنبؤ.

البنية القانونية أولاً… وبعدها الأموال

ويؤكد الاقتصاديون أن إلغاء “قيصر” شرطٌ ضروري لتعافي الاقتصاد، لكنه غير كافٍ. فالبيئة القانونية والقضائية الحالية لا توفر الحد الأدنى من الجاذبية، وحتى الشركات التي زارت دمشق مؤخراً – ومنها شركات طاقة عالمية – تنتظر بوضوح قوانين مستقرة ومحاكم تحكيم مستقلة وإجراءات إدارية يمكن الاعتماد عليها قبل اتخاذ أي خطوة.

الخلل الداخلي أكبر من العقوبات

الخلاصة التي يتفق عليها الخبراء هي أن سقوط “قيصر” يزيل حاجزاً خارجياً، لكن الحواجز الحقيقية داخلية. فلن تأتي الاستثمارات بسبب قانون أُلغي، بل حين يشعر المستثمر بأن أمواله محمية، وعقوده محترمة، وأن الأمن ليس امتيازاً مؤقتاً.

فمن دون إصلاحات قضائية عميقة وتحديث شامل للبنية القانونية، ستظل سوريا “وجهة محتملة” وليست “وجهة جاهزة” للاستثمار، مهما فتحت لها أبواب النظام المالي العالمي.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى