رصـ ـاص البادية ورسائل السياسة: من يقف خـ ـلف هـ ـجـ ـوم تدمر؟

أعاد الهـ ـجـ ـوم الذي استهـ ـدف وفداً من قـ ـوات التحالف الدولي قرب مدينة تدمر إلى الواجهة أسئلة حساسة حول تداخل الأمـ ـن بالسياسة في سوريا، وتوقيت العمـ ـلـ ـيات العسـ ـكرية في ظل تحـ ـركـ ـات إقليمية متسارعة. ويأتي هذا التطور بعد زيارة قائد القـ ـوات البرية التركية إلى دمشق، ما فتح باب التكـ ـهنـ ـات حول ارتباط الهـ ـجـ ـوم بصـ ـراع النفوذ بين أنقرة وواشنطن، خاصة في البادية السورية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وتعرض وفد من القوات الأميركية في التحالف الدولي اليوم لإطلاق نار قرب تدمر أثناء مهمة قيل إنها مرتبطة بتقييم خطط مكافحة تنظيم داعش. وأفادت مصادر بوقوع إصابات حرجة في صفوف القوات الأميركية، قبل أن تتدخل مروحيات لإجلاء المصابين إلى قاعدة التنف. ولاحقاً أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) مقتل ثلاثة أمريكيين هما جنديان ومدني وإصابة 3 جنود آخرين في كمين نسبته إلى عنصر منفرد تابع لتنظيم داعش، مؤكدة مقتل المنفذ.
وتزامن الهجوم مع تحليق مكثف للطيران الأمريكي على علو منخفض فوق تدمر، وإغلاق الأجواء مؤقتاً، فيما غادر الوفد الأميركي المدينة دون صدور توضيحات رسمية مفصلة حول طبيعة المهمة أو ملابسات الاستهداف.
التوقيت السياسي ودلالاته
ويكتسب الهجوم حساسيته من توقيته، إذ جاء بعد زيارة قائد القوات البرية التركية إلى دمشق، فتركيا كانت عازمة سابقاً على إنشاء قاعدة عسكرية في تدمر ولكن تحركاتها هناك تعرضت لهجمات إسرائيلية.
وتشير روايات متداولة إلى أن الولايات المتحدة رفضت هذا التوجه التركي وقطعت الطريق عليه، باعتبار تدمر جزءاً من توازنات أمنية دقيقة تتقاطع فيها مصالح واشنطن والتحالف الدولي ولذلك قررت أن تنشط قوات التحالف الدولي هناك وهذا ما أزعج تركيا، لذلك أوعزت الاستخبارات التركية لعناصر داعش بالتحرك في البادية السورية.
ويرى مراقبون أن هذا الرفض الأمريكي دفع تركيا للبحث عن وسائل غير مباشرة لإعادة خلط الأوراق الأمنية في المنطقة، عبر تصعيد محسوب يبعث برسائل ضغط متبادلة.
اتهامات بتسهيل اختراقات أمنية
وتذهب مصادر أمنية وإعلامية إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن دور للاستخبارات التركية في تسهيل اختراق تنظيم داعش للمؤسسات الأمنية والعسكرية تابعة لسلطة دمشق خلال الفترة الماضية.
وتستند هذه الروايات إلى اعترافات من موقوفين في هجمات شهدتها مناطق مثل السويداء، قالوا إنهم ينتمون إلى داعش وكانوا يعملون ضمن تشكيلات وزارة الدفاع لدى سلطة دمشق.
وبحسب هذه المصادر، فإن تسهيل الحركة والاندماج لعناصر متشددة في أجهزة أمنية يخلق بيئة رخوة تسمح بتنفيذ هجمات نوعية، مع الحفاظ على هامش إنكار سياسي.
سرايا أنصار السنة
وقبل أشهر، تحدثت معلومات عن مخطط استخباراتي تركي لتشكيل فصيل جديد تحت مسمى “سرايا أنصار السنة”، يضم عناصر من تنظيمات متشددة سابقة مثل جند الأقصى وحراس الدين، إضافة إلى عناصر من داعش. وتقول هذه الروايات إن الفصيل أعيد تنظيمه في البادية السورية، مع تقسيم جغرافي يشمل تدمر والسخنة وبادية الرقة.
وتشير المصادر إلى أن هذا التشكيل يتلقى دعماً وتوجيهاً من جهاز الاستخبارات التركي (MIT)، مع مساعٍ لدمجه لاحقاً في بنية “الجيش السوري الجديد”، في إطار إعادة هندسة المشهد الأمني.
استخدام داعش كورقة سياسية
ويُنظر إلى تنشيط خلايا داعش في مناطق مختلفة من سوريا كأداة لخلق فوضى أمنية مضبوطة، تتيح لبعض الأطراف تقديم نفسها لاحقاً كشريك لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب وهذا ما سعت إليه الاستخبارات التركية وسلطة دمشق سابقاً قبل إعلان انضمام سلطة دمشق إلى التحالف الدولي في الزيارة الاخيرة لرئيس سلطة دمشق أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ولكن يبدو أن مخطط تركيا وسلطة دمشق قد انقلب عليهما، حيث لم يكونان يتوقعان أن توافق أميركا على انضمام سلطة دمشق للتحالف الدولي بهذه السرعة، ولذلك باتت العناصر المتشددة التي تم دمجها ضمن التشكيلات الأمنية والعسكرية لدى سلطة دمشق مشكلة للأخيرة.
وبين الوقائع المعلنة والاتهامات، يبقى هجوم تدمر حدثاً مفصلياً يعكس تعقيد الصراع السوري وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية. فالتوقيت، والمكان، وطبيعة المستهدف، كلها عوامل تجعل من الصعب فصل الأمني عن السياسي. وإلى أن تتكشف نتائج التحقيقات الرسمية، ستظل تدمر نقطة تقاطع حساسة في صراع النفوذ بين أنقرة وواشنطن، وعلى تماس مباشر مع ملف مكافحة داعش ومستقبل الترتيبات الأمنية في سوريا.



