الحرية المؤجلة: لماذا لا تزال سوريا تدور في دائرة الخطـ ـر؟

بعد مرور عام كامل على انهـ ـيار نظـ ـام بشار الأسد وفـ ـراره من البلاد، تبدو سوريا بعيدة عن الاستقرار المنشود، رغم انتهاء أحد أكثر أنظـ ـمة الحـ ـكم قـ ـمـ ـعاً في تاريخها الحديث. فبين آمال التحرر ومخـ ـاوف الانـ ـزلاق إلى فـ ـوضى جديدة، تقف البلاد عند مفترق طرق محـ ـفوف بالمخـ ـاطر السياسية والأمـ ـنـ ـية والاقتصادية.
سقوط النظام، الذي حكم سوريا لأكثر من خمسة عقود بالقبضة الأمنية والولاءات الطائفية، جاء بعد 13 عاماً من حرب أهلية مدمّرة، استخدم خلالها كل أدوات العنف، من الأسلحة الكيماوية إلى الاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري. ومع ذلك، فإن انهياره السريع أواخر 2024، وسط تراجع حلفائه وتفكك مؤسساته العسكرية، بدا صادماً حتى لمراقبين توقعوا نهايته.
ورغم أن مشاهد تحرير السجناء السياسيين وانهيار أجهزة القمع شكّلت لحظة أمل نادرة، فإن المرحلة الانتقالية كشفت سريعاً عن هشاشة الواقع الجديد. فقد اندلعت أعمال عنف طائفي دامية، استهدفت خصوصاً الطائفة العلوية في الساحل، والدروز في الجنوب، وأسفرت، وفق الأمم المتحدة، عن مئات القتلى، وسط تقارير موثقة عن إعدامات ميدانية وخطف وقتل تعسفي.
القلق لا يقتصر على العنف الأهلي. فتركيز السلطة في يد دائرة ضيقة داخل الإدارة الجديدة، وغياب الشفافية في التحقيق بالانتهاكات، وعدم محاسبة عناصر منخرطة حالياً في الحكم، كلها عوامل تعمّق انعدام الثقة بين المكونات السورية، ولا سيما لدى الأكراد والأقليات الدينية والعرقية.
اقتصادياً، تواجه سوريا تحدياً وجودياً. فالبنية التحتية شبه مدمرة، والاقتصاد منهك، وكلفة إعادة الإعمار المقدّرة بأكثر من 216 مليار دولار تفوق بعشرة أضعاف الناتج المحلي السنوي المتوقع. ومع استمرار العقوبات الغربية بشكل معلّق لا ملغى –الإلغاء المشروط لقانون قيصر-، تبقى البلاد طاردة للاستثمار، وعاجزة عن إطلاق عملية تعافٍ حقيقية أو معالجة ملف المفقودين والمقابر الجماعية.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن التدخلات الخارجية لم تتوقف شمالاً التدخل التركي وجنوباً التدخل الإسرائيلي، تزيد من هشاشة الوضع الأمني، فيما لا تزال البلاد ساحة صراع نفوذ مفتوحة، رغم تغيّر موازين القوى.
صحيح أن هناك خطوات يمكن اعتبارها إيجابية، مثل إنشاء هيئات للعدالة الانتقالية والمفقودين، والانفتاح النسبي على المجتمع الدولي، لكن هذه الخطوات تبقى غير كافية أبداً ما لم تُرفق بإصلاح سياسي عميق، ومساءلة حقيقية، وتفكيك فعلي لبنية الاستبداد القديمة والجديدة على حد سواء.
بعد عام على سقوط الأسد، لم تنه سوريا أزمتها، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيداً. فالتحرر من الديكتاتورية لا يعني بالضرورة بناء دولة عادلة. وما لم يحظَ السوريون بدعم دولي جاد، ورقابة صارمة، ومسار سياسي شامل، فإن خطر الانزلاق إلى فوضى جديدة أو استبداد بثوب مختلف سيبقى قائماً.



