من العـ ـزلة إلى الاستثمار: اختبار إعادة إعمار سوريا في بيئة إقليمية معـ ـقدة

مع رفع العقـ ـوبات الأميركية عن سوريا، ولا سيما تلك المفـ ـروضة بموجب قانون قيـ ـصر، دخلت البلاد مرحلة جديدة توصف ظاهرياً بكونها بوابة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يمكن قراءته بمعزل عن شبكة معقدة من التهـ ـديـ ـدات الأمـ ـنـ ـية والسياسية والاقتصادية، تجعل من إعادة الإعمار اختباراً قاسـ ـياً لا يقل صعوبة عن سنوات الحـ ـرب نفسها.
فرص اقتصادية كبيرة… على الورق
من حيث المبدأ، يفتح رفع العقوبات الباب أمام إعادة إدماج سوريا في الاقتصاد العالمي، واستعادة قنوات التمويل، وجذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والطاقة والإسكان والصحة والتعليم. حجم الدمار الهائل يجعل السوق السورية واحدة من أكثر الأسواق احتياجاً في المنطقة، ما يمنحها جاذبية استثمارية واضحة.
ويبرز الدور السعودي والخليجي بوصفه محركاً رئيسياً لهذه المرحلة، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو من خلال تسديد المتأخرات السورية لدى المؤسسات المالية الدولية، بما يمهّد لعودة البنك الدولي وصندوق النقد. هذا التحول، إن تحقق فعلياً، قد ينقل سوريا من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد التمويل المنظم طويل الأمد.
غير أن هذه الفرص تبقى، حتى الآن، رهينة الشروط السياسية والأمنية، ولا يمكن التعامل معها كمسار تلقائي أو مضمون النتائج.
الهشاشة الأمنية: الخطر الأكبر على الاستثمار
وأخطر ما يواجه إعادة الإعمار ليس نقص التمويل بقدر ما هو غياب الاستقرار الأمني المستدام. فسنوات الصراع خلّفت بيئة أمنية هشة، تتسم بانتشار السلاح، ووجود خلايا متطرفة نائمة، على رأسها تنظيم “داعش”، ومجموعات وفصائل تابعة لتركيا تتحرك بمعزل عن سلطة دمشق رغم إعلانها الانضمام لصفوف وزارة الدفاع.
التقارير المتكررة عن ظهور شعارات متشددة، ومحاولات اغتيال، وهجمات متفرقة، ترسل إشارات سلبية مباشرة لرأس المال، الذي بطبيعته شديد الحساسية للمخاطر. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الربح، بل عن بيئة قانونية وأمنية يمكن التنبؤ بها. وأي تدهور أمني، ولو محدود، قد يؤدي إلى تجميد المشاريع أو هروب الاستثمارات في لحظة حرجة.
التهديد السياسي الداخلي: اختبار الخطاب والواقع
داخلياً، تواجه سلطة دمشق الجديدة تحدياً لا يقل خطورة: إدارة مجتمع منهك، منقسم، ومثقل بإرث طويل من العنف وعدم الثقة. الخطاب التصالحي الذي تطرحه السلطة بقيادة أحمد الشرع، حول دولة القانون وحقوق الأقليات والانتقال السياسي، يشكل عنصر جذب سياسي واقتصادي مهم.
لكن المشكلة لا تكمن في الخطاب، بل بغياب ترجمته إلى سياسات وممارسات ملموسة. حيث يسود الإقصاء، وتغليب منطق السيطرة الأمنية على منطق الشراكة الوطنية، وهذا ما قد يعيد إنتاج أسباب عدم الاستقرار، ويفرغ مشاريع الإعمار من بعدها الاجتماعي، محولاً إياها إلى مشاريع فوقية بلا حاضنة شعبية.
الإقليم… دعم مشروط وضغوط متقاطعة
إقليمياً ودولياً، تتحرك سوريا في مساحة شديدة الحساسية. الولايات المتحدة تنظر إلى رفع العقوبات كأداة لإعادة توجيه التوازنات، خصوصاً في ما يتعلق بالحد من النفوذ الإيراني، لكنها تحتفظ بحذر واضح نابع من المخاوف الأمنية والسجل السابق للسلطة الجديدة.
في المقابل، تراقب إسرائيل المشهد بقلق، وتترجم هذا القلق بضربات عسكرية متكررة داخل الأراضي السورية، ما يضيف عنصر عدم استقرار دائم، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة سوريا على توفير بيئة آمنة للاستثمار طويل الأجل.
أما السعودية وحلفاؤها، فيرون أن ترك سوريا في حالة شلل اقتصادي قد يكون وصفة مثالية لعودة التطرف والفوضى، وأن المجازفة المحسوبة في دعم الإعمار أقل كلفة من إدارة أزمة مفتوحة بلا أفق.
الفساد والاقتصاد المنهك: التهديد الصامت
ربما يكون التهديد الأخطر هو ذاك غير المرئي: ضعف المؤسسات والفساد. فإعادة إعمار بلد مدمر لا تتطلب أموالاً فقط، بل إدارة رشيدة، وشفافية، وآليات رقابة صارمة وهذا ما تفتقر إليه سلطة دمشق. فأي فشل في هذا الجانب قد يحوّل الإعمار إلى مصدر إثراء لفئات ضيقة، بدل أن يكون رافعة للنهوض الوطني.
كما أن الفقر الواسع، وارتفاع البطالة، وعودة ملايين النازحين واللاجئين، تفرض ضغوطاً هائلة على الاقتصاد، ما لم تُربط مشاريع الإعمار ببرامج تنمية حقيقية تولد فرص عمل وتعيد دمج المجتمع في دورة الإنتاج.
فإعادة إعمار سوريا بعد رفع العقوبات تمثل فرصة تاريخية نادرة، لكنها في الوقت ذاته مشروع عالي المخاطر. النجاح يتطلب أكثر من أموال واستثمارات؛ يتطلب أمناً مستداماً، وإصلاحاً سياسياً حقيقياً، ومؤسسات قادرة على إدارة الموارد بشفافية، ورؤية إقليمية داعمة لا مترددة.
رفع العقوبات ليس نهاية المعاناة، بل بداية مرحلة أصعب وأكثر تعقيداً. فإما أن تُدار هذه اللحظة بحكمة، فتتحول إلى نقطة انطلاق نحو الاستقرار، أو تُهدر، لتعيد سوريا إلى دائرة الفوضى، بكلفة إنسانية وإقليمية لا تحتملها المنطقة مرة أخرى.



