سلـ ـطة دمشق ترتـ ـمي في حضـ ـن موسكو رغم الدعم الأميركي!

إهانة لدماء السوريين

تعكس التحركات السياسية الأخيرة لسلـ ـطة دمشق توجّهًا واضحاً نحو تعزيز العلاقة مع روسيا، في مؤشر على إعادة تموضع استراتيجي رغم ما يحمله الخطاب الدولي من إشارات إلى دعم أميركي لمسار “المرحلة الانتقالية” في سوريا. وجاءت زيارة وفد سوري رفيع المستوى إلى موسكو لتؤكد أن العاصمة الروسية لا تزال تشكّل ركيزة أساسية في حسابات دمشق السياسية والأمـ ـنية.

وضمّ وفد سلطة دمشق كلاً من وزير خارجية السلطة أسعد الشيباني، ووزير دفاعها مرهف أبو قصرة، إلى جانب مسؤولين من الاستخبارات العامة، في زيارة وُصفت بالاستثنائية من حيث التوقيت وتركيبة المشاركين. حيث جاءت الزيارة بعد يوم واحد من زيارة وفد تركي ضمن وزير الخارجية هاكان فيدان والدفاع يشار غولر والاستخبارات إبراهيم قالن إلى دمشق ولقاءهم رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع.

ويرى مراقبون أن هذا المستوى من التمثيل يعكس رغبة واضحة في إعادة تثبيت الشراكة مع موسكو، وفتح ملفات استراتيجية تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي لتشمل الجوانب الأمنية والعسكرية.

وتأتي هذه الخطوة في سياق إقليمي ودولي يتسم بحالة من الغموض وعدم اليقين، ما يدفع سلطة دمشق إلى البحث عن حليف يمتلك نفوذاً مباشراً وقدرة على التأثير في المعادلات الكبرى. وفي هذا الإطار، تبدو روسيا خياراً مفضّلاً بالنسبة لدمشق وأنقرة، نظراً لحضورها العسكري والسياسي الراسخ في البلاد، إضافة إلى استعدادها للحفاظ على مصالحها عبر شراكة طويلة الأمد مع السلطة الحالية.

غير أن هذا التوجه لا يخلو من مخاطر جدّية على المديين القريب والمتوسط. فتعميق الارتهان السياسي والأمني لموسكو قد يضع دمشق مجدداً في موقع التبعية، ويقيد هامش المناورة الذي تحاول السلطة الانتقالية تكريسه في علاقاتها الدولية. كما أن الارتهان لحليف واحد، خاصة في ظل التحولات السريعة في النظام الدولي، قد يجعل سوريا عرضة لابتزاز سياسي أو اقتصادي مرتبط بتقلبات الموقف الروسي نفسه.

ويحذّر مراقبون من أن الانخراط المتزايد مع روسيا قد يعرقل مساعي دمشق لإعادة الاندماج في المجتمع الدولي الأوسع، ويؤثر سلباً على فرص جذب الاستثمارات والدعم الغربي والخليجي اللازمين لإعادة الإعمار. فروسيا، رغم نفوذها العسكري، تعاني من ضغوط اقتصادية وعقوبات دولية تحدّ من قدرتها على تقديم دعم اقتصادي حقيقي ومستدام لسوريا.

كما أن تعزيز الحضور الروسي قد يثير حساسية أطراف إقليمية ودولية ترى في موسكو لاعباً يسعى إلى توسيع نفوذه على حساب التوازنات القائمة، ما قد ينعكس ضغوطاً إضافية على دمشق، سواء على الصعيد السياسي أو عبر تعطيل مسارات الدعم الدولي. وفي هذا السياق، يخشى محللون من أن تتحول سوريا مرة أخرى إلى ساحة صراع نفوذ غير مباشر، بدل أن تكون دولة تسعى إلى استعادة سيادتها الكاملة.

ومن المخاطر الأخرى، أن الاعتماد المفرط على الدعم الأمني والعسكري الروسي قد يؤخر بناء مؤسسات وطنية مستقلة وقادرة على إدارة شؤون البلاد دون وصاية خارجية، وهو ما يتناقض مع الخطاب الرسمي حول السيادة والاستقلال. كما أن أي تراجع مستقبلي في التزام موسكو بسوريا، نتيجة انشغالها بأزمات أخرى، قد يترك دمشق في فراغ سياسي وأمني يصعب تعويضه.

إهانة لدماء السوريين

ولا يمكن فصل هذا التوجّه نحو موسكو عن الذاكرة الدامية التي خلّفها التدخل الروسي في سوريا خلال سنوات حكم بشار الأسد، إذ ارتبط اسم روسيا مباشرة بسلسلة واسعة من المجازر والانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين. فمنذ تدخلها العسكري المباشر عام 2015، نفّذت القوات الروسية مئات الغارات الجوية التي استهدفت أحياءً سكنية وأسواقاً شعبية ومشافٍ ومراكز دفاع مدني، لا سيما في حلب وريف دمشق وإدلب وحماة.

ووثّقت منظمات حقوقية دولية استخدام الطيران الروسي لأسلحة شديدة التدمير، بما فيها القنابل العنقودية والفراغية، في عمليات وُصفت بأنها ترقى إلى جرائم حرب.

هذا السجل الثقيل يثير مخاوف جدّية لدى قطاعات واسعة من السوريين من أن إعادة الارتماء في أحضان موسكو تعني تجاهل معاناة الضحايا، وتجاوز مطلب العدالة والمساءلة، فضلاً عن خطر إعادة إنتاج منطق القوة العسكرية كأداة لإدارة البلاد، بدل بناء مسار سياسي يقوم على حقوق الإنسان واحترام حياة المدنيين.

في المحصلة، ورغم ما يوفره التقارب مع موسكو من مكاسب آنية على مستوى الدعم السياسي والأمني، إلا أن هذا الخيار يحمل في طياته تحديات ومخاطر استراتيجية كبيرة وقد تغضب الولايات المتحدة التي لا تزال تمتلك عصا إعادة فرض عقوبات قيصر في ظل فرض بريطانيا عقوبات على ثلاثة فصائل موالية لتركيا منضوية تحت وزارة الدفاع لدى سلطة دمشق.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى