العقـ ـوبـ ـات البريطانية على الفصـ ـائل المـ ـوالـ ـية لأنقرة في سوريا: رسالة مزدوجة بعد رحـ ـيل ‘قيـ ـصر’

في الوقت الذي ودّع فيه السوريون قانون “قيـ ـصر” وانتهت عقـ ـوبـ ـاته، فتحت بريطانيا نافذة جديدة على الملف السوري عبر فـ ـرض حـ ـزمة عقـ ـوبـ ـات على شخصيات وأطراف متـ ـورطـ ـة في أعمال عـ ـنـ ـف وانتـ ـهـ ـاكات بحق المدنيين، لا سيما في الساحل السوري خلال شهر آذار/مارس 2025.

وشملت العقـ ـوبـ ـات ثلاثة فصـ ـائل مسلـ ـحة مـ ـوالـ ـية لتركيا، هي “فرقـ ـة الحمـ ـزة” و”فرقـ ـة السلـ ـطان مراد” و”فرقـ ـة السلـ ـطان شاه” المعروفة بالعمـ ـشات، إضافة إلى متـ ـزعـ ـم العمـ ـشات محمد الجـ ـاسم الملقب بـ “أبـ ـو عمـ ـشة” ومتـ ـزعم فصـ ـيل السلـ ـطان مراد المدعـ ـو سـ ـيف بـ ـولاد أبـ ـو بكر، فضلاً عن شخصيات مرتـ ـبطة بالنـ ـظام السابق وهم ومقـ ـداد فتيحة وغيـ ـاث دلة، إلى جانب عمـ ـاد ومـ ـدلل خوري.

وتأتي العقوبات البريطانية لتؤكد استمرار الرقابة الدولية على الفصائل المسلحة بعد سقوط نظام بشار الأسد، خصوصاً وأن هذه الفصائل سبق أن خضعت أيضاً لعقوبات أمريكية لارتكابها انتهاكات جسيمة في المناطق التي تسيطر عليها تركيا شمال سوريا، ما يضعها في مواجهة مزدوجة بين ولائها لأنقرة وضغوط المجتمع الدولي.

ويشير المراقبون إلى أن الهدف من العقوبات هو توجيه رسالة واضحة إلى الفصائل المسلحة بأن أي تجاوزات بحق المدنيين لن تُنسى، وأن الغرب لن يتسامح مع محاولات تبييض تاريخ الانتهاكات، حتى مع بدء مرحلة إعادة البناء السياسي والاقتصادي في سوريا.

الخلفية التاريخية للفصائل الموالية لتركيا

وبرزت هذه الفصائل خلال السنوات الأخيرة من الثورة السورية، حيث بدأت كقوات محلية انضمت للمعارضة المسلحة، لكنها سرعان ما تحولت إلى أدوات تنفيذية ضمن المشاريع التركية في شمال سوريا. فـ”أبو عمشة” الذي أصبح قائد فرقة “السلطان شاه”، لم يكن ذو خبرة عسكرية قبل الثورة، لكنه ارتقى في صفوف المعارضة بفضل الدعم التركي، وشارك في معارك ضد النظام السابق قبل أن يصبح أحد المتزعمين البارزين للفصائل الموالية لأنقرة. وكذلك شارك سيف بولاد أبو بكر فرقة “الحمزة” في الهجمات التركية داخل الأراضي السورية وتحديداً تلك التي استهدفت المكون الكوردي. وقد تورطت هذه الفصائل في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، بما في ذلك عمليات تهجير قسري ومصادرة ممتلكات، خصوصاً في مناطق عفرين ورأس العين وتل أبيض.

أحداث الساحل السوري ومجازر المدنيين

وخلصت لجنة تحقيق أممية في تقرير صدر في آب/أغسطس 2025 إلى أن أعمال العنف التي اجتاحت الساحل وغرب وسط سوريا في آذار/مارس “قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب”. وشملت الانتهاكات قتل المدنيين والتعذيب والأفعال اللاإنسانية ومعاملة الموتى بطريقة مروعة، إلى جانب النهب وحرق المنازل، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السوريين. ووثقت بعض هذه الأعمال ونشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة الضغط الدولي.

العقوبات البريطانية ورسائلها السياسية

وتفرض العقوبات البريطانية حظر سفر وتجميد أصول على القادة العسكريين ورجال الأعمال المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الشخصيات الموالية لتركيا، مثل أبو عمشة وسيف بولاد، إلى جانب ضباط سابقين في النظام السوري مثل مقداد فتيحة وغياث دلة، ورجال أعمال روس مرتبطين بالنظام السابق. وتوضح وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر أن العقوبات تهدف إلى حماية المدنيين وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الانتهاكات من المساءلة، مع التأكيد على أن المرحلة الجديدة بعد سقوط الأسد لن تمحو سجل الانتهاكات السابقة.

ويؤكد المراقبون أن العقوبات ليست مجرد إجراءات رمزية، بل تحمل أبعاداً استراتيجية لإعادة رسم العلاقة بين الفصائل المسلحة والسلطة السورية الجديدة، وإخضاع أي قوى مسلحة للرقابة الدولية، خصوصاً مع استمرار دعم تركيا لبعض هذه الفصائل في الشمال السوري.

ويشير المراقبون إلى أن العقوبات تسحب الصك الشرعي عن هذه الفصائل وتجعلها عبئاً على أي مؤسسة سياسية، ما يضع أمام دمشق وأي أطراف جديدة علامات استفهام كبيرة حول استقرار المنطقة ومستقبل التعاون الدولي.

التحرك الدولي المستمر

وسبق أن أدرج الاتحاد الأوروبي قادة الفصائل الموالية لتركيا على قائمة عقوباته في أيار/مايو 2025، تضمنت تجميد الأصول ومنع دخول الاتحاد الأوروبي، مع التركيز على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويبدو أن بريطانيا تتبع سياسة مماثلة، لكنها تراعي توجيه رسالة مزدوجة، تجمع بين فتح الأبواب السياسية والاقتصادية أمام دمشق بعد سنوات من العنف، وبين تذكير الفصائل المسلحة التابعة لتركيا بأن أي تجاوزات لا تُنسى.

وفي ظل هذا المشهد، تتضح الرغبة البريطانية في دعم دولة القانون في سوريا، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيداً عن السلاح والميليشيات، مع الحفاظ على الضغط على الأطراف التي ارتكبت انتهاكات سابقة، لا سيما تلك المرتبطة بالسياسة التركية في الشمال السوري لإبعادها من المشهد وقطع الأذرع التركية في سوريا والتدخل في شؤونها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى