أنقرة تكشف أطمـ ـاعها في البادية السورية وواشنطن تحسم موقفها… هجـ ـوم تدمر يفتح باب الشـ ـكوك

أفادت مصادر مطلعة بأن اجتماعاً أمـ ـنـ ـياً رفيع المستوى عُقد قبل عدة أيام في العاصمة السورية دمشق، جمع وفداً من الاستخـ ـبارات التركية مع وفد أمـ ـني أمريكي، وذلك في المبنى الثاني لوزارة الدفاع. ووفق المصادر، جاء هذا الاجتماع في سياق تصـ ـاعد التباينات بين الجانبين حول مستقبل التواجد العسـ ـكري والأمـ ـني في البادية السورية، لاسيما في ظل التطورات الميدانية المتسارعة بعد انهـ ـيـ ـار نظـ ـام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.

تركيا تسعى للانتشار في البادية السورية

وبحسب المعلومات، قدّم وفد الاستخبارات التركية خلال الاجتماع جملة من المطالب والمقترحات، أبرزها نشر قوات خاصة تركية في عدة نقاط استراتيجية ضمن البادية السورية، بذريعة انتشار خلايا تنظيم داعش في مناطق البادية ودير الزور. وحدد الوفد التركي المناطق المقترحة للانتشار، وهي: السخنة، مدينة تدمر، أطراف مدينة تدمر، أطراف مدينة دير الزور، طريق تدمر–دير الزور، إضافة إلى نقطة على أطراف مدينة تدمر الأثرية.

واشترط الوفد التركي أن يقتصر التواجد في هذه النقاط على القوات الخاصة التركية حصراً، دون أي وجود لقوات سلطة دمشق، سواء كانت تابعة للأمن العام أو لوزارة الدفاع. كما اقترحت أن تقوم هذه القوات بعمليات برية وأعمال استطلاع بالتنسيق المباشر مع القوات الأمريكية، على أن يمتد نطاق العمليات ليشمل “تطهير” البادية السورية وصولاً إلى بادية منطقة السويداء.

رفض أمريكي قاطع

إلا أن المصادر أكدت أن هذه المقترحات قوبلت برفض قاطع وفوري من قبل الوفد الأمني الأمريكي، الذي شدد على أن المناطق المذكورة تُعد مناطق عمليات خاصة بالقوات الأمريكية، ولا يُسمح لتركيا بإنشاء أي نقاط عسكرية فيها، سواء لأغراض الاستطلاع أو المتابعة أو الانتشار الدائم.

وأضافت المصادر أن أجواء من التوتر والارتباك سادت في ختام الاجتماع، وبدت ملامح الانزعاج واضحة على وفد الاستخبارات التركية، الذي غادر دمشق مباشرة عقب انتهاء اللقاء، وتوجه نحو مدينة حلب.

وكشفت المصادر أسماء عدد من الضباط الأتراك الذين شاركوا في الاجتماع، وهم: محمد بوران، متين كوزوم، محمد صاري كايا، رفعت شونغار، كريم أنديش، جمال أكتاش، وآجار أوزاكار. وفي المقابل، ضم الوفد الأمريكي كلاً من: ماتيو، فرانك، جيم، غولدبرغ، وريفكين، بحسب المصادر.

محاولات سابقة

ومنذ بداية انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، سعت تركيا بشكل حثيث إلى توسيع نفوذها العسكري داخل البادية السورية، عبر إنشاء نقاط وقواعد عسكرية جديدة، مستفيدة من الفراغ الأمني الذي خلّفه سقوط النظام. غير أن هذه المساعي اصطدمت برفض إسرائيلي واضح، تُرجم بعدة ضربات جوية استهدفت مواقع يُعتقد أنها كانت قيد الإعداد أو التنسيق من قبل الجانب التركي.

هجوم تدمر والدور التركي تحت المجهر الأمريكي

وتكتسب هذه التطورات بعداً أكثر حساسية في ضوء الحادثة الأخيرة التي وقعت في منطقة تدمر مؤخراً، والتي أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الجنود الأمريكيين. ووفق المصادر، أثارت هذه الحادثة شكوكاً عميقة لدى الجانب الأمريكي، حيث جرى تداول تقديرات أمنية تفيد بإمكانية أن تكون العملية من تدبير المخابرات التركية (MIT)، أو على الأقل استُخدمت بشكل غير مباشر، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى القبول بوجود تركي مباشر في تلك المناطق الحساسة بحجة حماية القوات الأمريكية ومحاربة تنظيم داعش.

محاولة اقناع فاشلة

وتوضح المصادر أن هذه الشكوك كانت أحد الأسباب الرئيسية لعقد الاجتماع في دمشق، إذ سعت تركيا من خلاله إلى تقديم مقترحاتها بشكل رسمي، ومحاولة إقناع الجانب الأمريكي بأن التواجد التركي في البادية السورية يشكل ضرورة أمنية في المرحلة المقبلة. إلا أن الرفض الأمريكي الحاسم يعكس، بحسب مراقبين، مخاوف واشنطن من توسع النفوذ التركي خارج الأطر المتفق عليها، ومن تعقيد المشهد الأمني في مناطق تُعد بالغة الحساسية، سواء من حيث التوازنات الإقليمية أو المصالح العسكرية الأمريكية المباشرة.

ويشير مراقبون إلى أن فشل هذا الاجتماع قد ينذر بمزيد من التوتر الخفي بين أنقرة وواشنطن في الملف السوري، خصوصاً في ظل تضارب الأجندات حول من يملأ الفراغ الأمني في البادية السورية، وكيفية إدارة مرحلة ما بعد انهيار النظام، وسط تشابك المصالح الإقليمية والدولية على الأرض السورية.

دور تركي في إعادة تموضع الجماعات المتطرفة في البادية السورية

وسبق أن كشف موقعنا معلومات تشير إلى أن تركيا، وعبر جهاز الاستخبارات (MIT)، تلعب دوراً مركزياً في نقل الجماعات المتطرفة إلى البادية السورية، خاصة في مناطق تدمر والسخنة. ويتم ذلك بالتعاون مع فصائل محلية موالية لأنقرة، بهدف إعادة انتشار عناصر داعش وجماعات مرتبطة بالقاعدة بعيداً عن الحدود التركية، لتكون بمثابة وسيلة ضغط وأداة نفوذ على السلطة الانتقالية السورية وبقية الأطراف السورية ودول الجوار.

أهداف تركيا من هذا التحرك

وتهدف أنقرة من خلال هذه التحركات إلى عدة غايات استراتيجية: أولاً، تأمين الحدود التركية من أي تهديد مباشر من خلال إبعاد المتطرفين عن حدودها، وثانياً، خلق مناطق نفوذ لمجموعات متطرفة يمكن استغلالها لاحقاً في تنفيذ هجمات على مناطق محددة مثل الرقة والطبقة في شمال وشرق سوريا أو مناطق ذات غالبية درزية في الجنوب السوري. ثالثاً، تمكين هذه الجماعات من السيطرة على موارد النفط والمواد الاقتصادية في البادية، لتوفير تمويل مستمر لعملياتها، ما يعزز قدرتها على التحرك عسكرياً ويعقد جهود الاستقرار في سوريا.

التهديدات الأمنية الناجمة عن التمركز التركي

وينعكس الدور التركي في البادية السورية على الاستقرار الإقليمي بشكل واضح، إذ إن تحويل البادية إلى ملاذ آمن للجماعات الإرهابية يعيد التهديد إلى شمال وشرق سوريا، ويزيد احتمالية تصعيد عسكري جديد بين الفصائل المسلحة، إلى جانب مخاطره على الأردن والعراق المجاورتين. كما أن هذا التمركز قد يُستخدم في إطار خطط أنقرة لفرض شروطها على السلطة الانتقالية السورية وابتزاز الأطراف الدولية لضمان استمرار نفوذها في الملف السوري.

التنظيمات المستهدفة والآلية التركية

وفي حينه، كشفت المصادر، بأن عمليات النقل شملت جماعات مثل جند الأقصى وحراس الدين، حيث تم توجيه العناصر الأجانب لإعادة التموضع في البادية مع ترك بعض القادة في إدلب لضمان استمرار الاتصال والتنسيق.

وتمثل هذه التحركات نموذجاً للتدخل التركي المباشر في هندسة المشهد العسكري والأمني بسوريا، مستغلة غياب رد فعل دولي حاسم أو مراقبة فعالة لمثل هذه العمليات وضعف سلطة دمشق وعدم قدرتها على اتخاذ قرارها بشكل مستقل.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى