توافق نادر: موسكو وواشنطن تلتقيان عند هشاشة منـ ـظومة دمشق الأمنـ ـية بعد هجـ ـوم تدمر

لم تكن الحادثة التي وقعت في منطقة تدمر مجرّد خرق أمني عابر في عمق البادية السورية، بل شكّلت زلزالاً سياسياً وأمنياً كشف هشاشة البنية الأمنية للحكومة السورية وفتح الباب أمام إعادة تموضع دولي وإقليمي واسع.
شكّل الهجوم الذي وقع في منطقة تدمر نقطة تحوّل نادرة في المشهد السوري، ليس فقط من حيث تداعياته الميدانية، بل بسبب التقاطع غير المسبوق في قراءات كلٍّ من موسكو وواشنطن لواقع السلطة في دمشق. فبعيداً عن الخلافات العميقة بين الطرفين، أظهرت حادثة تدمر أن هناك قاسماً مشتركاً آخذ بالترسخ: هشاشة البنية الأمنية السورية وفشلها في ضبط نفسها من الداخل.

اختراقات داخلية وتسلل عقائدي لم يُعالج

وفق تقييمات صادرة عن الجانب الروسي، فإن الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة عناصر أمريكيين نُفّذ على يد شخص مرتبط بقوات الأمن السورية، في مؤشر خطير على اختراقات داخلية عميقة وفشل واضح في آليات التدقيق والدمج داخل مؤسسات الدولة. موسكو رأت في الحادثة دليلاً على أن عملية استيعاب العناصر المسلحة جرت بشكل متساهل، ما سمح بتسلل عناصر متشددة لم تتخلَّ عن عقيدتها الراديكالية.

البعد الإقليمي للهجوم: اتهامات روسية لدور الاستخبارات التركية

التقييم الروسي ذهب أبعد من ذلك، مؤكداً أن وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة لم ينهِ الإرث الجهادي داخل صفوفها، إذ لا تزال مجموعات ترفض التحول من منطق السلاح إلى العمل السياسي. الأخطر، بحسب الروس، أن منفذ هجوم تدمر تأثر بتوجيهات وأفكار حصل عليها من جهاز الاستخبارات التركية (MIT) في منطقة حلب، ما يضع الحادثة في إطار صراع نفوذ إقليمي مفتوح تُستخدم فيه الساحة السورية كساحة تصفية حسابات.
في المقابل، حذّرت موسكو من أن بعض العناصر التي جرى دمجها حديثاً في صفوف الحكومة السورية تُبدي استعداداً صريحاً لاستهداف القوات الأمريكية، مدفوعة برفضها تعاون دمشق مع التحالف الدولي ومع الدول الغربية، وباعتراضها على الحرب ضد تنظيم داعش. وفي هذا السياق، ترى روسيا أن تنظيم داعش لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً، مستغلاً الانهيار الاقتصادي والفراغ الأمني للعودة بأسلوب الخلايا النائمة داخل المدن.

التحذير البريطاني: تدمر اختبار استراتيجي لنقاط الضعف الأمنية

الصدمة لم تتوقف عند موسكو. ففي دمشق، وخلال اجتماع أمني، أبلغ الوفد الأمني البريطاني نظيره السوري أن ما جرى في تدمر عمل استراتيجي مقصود، وليس حادثاً تكتيكياً عابراً. البريطانيون شددوا على أن الحادثة جاءت ضمن سلسلة أنشطة لاختبار نقاط الضعف في المنظومة الأمنية السورية، محذرين من أن استمرار هذا النهج ينسف أي حديث عن شراكة أمنية موثوقة.
كما وجّه الوفد البريطاني رسالة واضحة مفادها أن تنظيم داعش لم يُهزم فكرياً، وأن مواجهته تتطلب جهداً استخباراتياً دقيقاً، لا حملات إعلامية أو اتهامات غير مدعومة بالأدلة، في إشارة مباشرة إلى محاولات تحميل قوات سوريا الديمقراطية مسؤوليات لا تستند إلى معطيات ميدانية. وفي السياق ذاته، حذّر البريطانيون من خطورة المجموعات المسلحة غير المنضبطة داخل سوريا، متهمين تركيا بدعمها وتوجيهها بما يهدد وحدة الأراضي السورية.

واشنطن تعيد الحسابات: لا انسحاب في ظل خطر عودة داعش

أما واشنطن، فقد رأت في هجوم تدمر نقطة تحوّل إقليمية تتجاوز الجغرافيا السورية. ووفق معلومات من مصادر مطلعة، ناقش مسؤولون أمريكيون وبريطانيون تداعيات الحادثة، واتفقوا على أن أي انسحاب شامل للقوات الأمريكية لم يعد خياراً مطروحاً في ظل خطر عودة داعش. الولايات المتحدة تعتبر أن أمن سوريا والعراق مترابط، وأن أي خلل في تدمر قد ينعكس مباشرة على الساحة العراقية.

تعزيز الشراكة مع قسد: خيار أمني أمريكي قائم على الكفاءة الميدانية

وبناءً على هذه المعطيات، تشير التقديرات إلى أن حادثة تدمر ستدفع واشنطن إلى تعزيز تعاونها مع قوات سوريا الديمقراطية وإعادة رسم خارطة انتشارها العسكري، مستفيدة من ضعف الحكومة السورية وتشتتها الداخلي.
ويرى مراقبون أن توجه واشنطن نحو تعزيز تعاونها مع قوات سوريا الديمقراطية ينبع من اعتبارات أمنية عملية، في مقدمتها ما تعتبره الولايات المتحدة تماسكاً تنظيمياً لدى قسد وخبرة متراكمة في مواجهة تنظيم داعش، مقارنةً بحالة الارتباك والاختراق التي تعاني منها المنظومة الأمنية التابعة للحكومة السورية. وترى واشنطن أن قسد تمثل شريكاً ميدانياً قادراً على تنفيذ المهام الأمنية والاستخباراتية بدقة أعلى، ما يحدّ من مخاطر الفراغ الأمني ويقلل كلفة الوجود العسكري الأمريكي المباشر.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى