من ساحات الهتاف إلى الشوارع الد..امية: يوم سُـ ـحقـ ـت فيه مظـ ـاهرات الساحل بالرصـ ـاص والسـ ـكـ ـاكين

في بضع ساعات، تحوّلت مطالب الفيدرالية ووقـ ـف الانـ ـتهـ ـاكات من ساحات الهتاف إلى ساحات الد..م. ما جرى في الساحل السوري فتح باباً واسعاً على أسئلة خـ ـطـ ـيرة حول مستقبل الحريات، والسلم الأهلي، ومسار السلطة الانتقالية نفسها، في وقت تتصاعد فيه المخـ ـاوف من انـ ـزلاق البلاد إلى دورة جديدة من العنـ ـف والقـ ـمع تقوده هيـ ـئة تحـ ـرير الشام.

دعوة للتظاهر السلمي

ويوم أمس، دعا رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الشيخ غزال غزال، إلى الخروج في مظـاهرات سلمية حاشدة اليوم بين الساعة الـ 12 ظهراً وحتى الخامسة عصراً، لرفـض عمليات القتل، ومناشداً أحرار باقي المكونات للوقوف إلى جانبهم، مشدداً على أنهم لا يريدون حرباً أهلية، بل يطالبون بـفيدرالية سياسية.

ولكن تحوّلت المظاهرات السلمية التي دعا إليها الشيخ غزال غزال في مناطق الساحل السوري والمناطق ذات الغالبية العلوية، مع ساعات قليلة فقط، إلى مشهد دموي يُعد من أخطر محطات القمع منذ سقوط النظام السابق. فخلال أقل من يوم واحد، سُجّل سقوط شهيدين ونحو خمسين جريحاً، وسط استخدام الرصاص الحي، والأسلحة البيضاء، والمدرعات العسكرية من قبل سلطة دمشق، في أحداث وثّقتها صور ومقاطع مصورة حدّدت بوضوح الجهات المتورطة في الانتهاكات.

شرارة الاحتجاج: مظاهرات سلمية تحت قبضة أمنية مشددة

عند ساعات الظهيرة، خرج آلاف المحتجين استجابة لدعوة الشيخ غزال غزال في مدن اللاذقية وطرطوس وبانياس وجبلة وحمص. رفع المتظاهرون شعارات تطالب بـ«الفيدرالية» ووقف الانتهاكات، مؤكدين سلمية تحركهم وحقهم في التعبير.

لكن المشهد لم يكن عادياً؛ فقد سبقت المظاهرات إجراءات أمنية مشددة تمثلت بحواجز كثيفة، تفتيش دقيق، ومنع الأهالي، وخصوصاً من الطائفة العلوية، من الوصول إلى ساحات التظاهر. وفي المقابل، ظهرت مجموعات موالية للسلطة الانتقالية في نقاط مقابلة، تحت حماية أمنية واضحة.

الدقائق الأولى للقمع: ضرب، تهديد، ومحاولات إسكات الكاميرا

وبعد أقل من نصف ساعة على انطلاق المظاهرات، بدأت أولى الاعتداءات. في بانياس ودوار الزراعة باللاذقية وجبلة وحمص، تعرّض المتظاهرون للضرب المباشر من قبل مؤيدين للسلطة الانتقالية، بمشاركة عناصر من الأمن العام ومجموعات تُعرّف نفسها باسم «السلم الأهلي».

منع التصوير، الاعتداء الجسدي، توجيه شتائم ذات طابع طائفي، ومحاولات تفريق بالقوة شكّلت ملامح مرحلة تصعيد جديدة، أنهت عملياً الطابع السلمي للمشهد.

التصعيد الدموي: رصاص حي ودهس وسكاكين في الشوارع

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، انتقل القمع إلى مستوى أكثر خطورة. في دوار الأزهري بمدينة اللاذقية، أُطلق الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، وسُجّلت محاولات دهس ورشق منازل بالحجارة.

أما في مدينة جبلة، فقد وقع المشهد الأكثر دموية، حيث هاجم مؤيدون للسلطة المتظاهرين بالسكاكين والسواطير عند محيط دوار العمارة، ما أسفر عن إصابات خطيرة وحالات حرجة، وسط عجز تام عن إسعاف بعض المصابين في اللحظات الأولى.

حصيلة ثقيلة

وبحلول منتصف بعد الظهر، أعلنت مصادر محلية عن سقوط شهيدين في اللاذقية متأثرين بإصابتهما جراء إطلاق النار، إضافة إلى 48 جريحاً توزّعوا بين اللاذقية وجبلة وطرطوس، بعضهم في حالة حرجة.

كما أُفيد بمقتل عنصر من الأمن العام، بحسب سلطة دمشق، في ظروف لم تتضح تفاصيلها بشكل كامل.

واستخدمت قوات سلطة دمشق القنابل المسيلة للدموع في طرطوس، فيما استمر إطلاق النار والاعتداء بالأسلحة البيضاء في أكثر من مدينة.

استعراض القوة: مدرعات ودبابات تعود إلى الواجهة

ومع تصاعد الغضب الشعبي، دفعت سلطة دمشق بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى المدن الساحلية. شوهدت مدرعات ودبابات تجوب شوارع اللاذقية ومناطق أخرى، في مشهد أعاد إلى الأذهان أساليب القمع التي سادت قبل عام 2011.

كما استُخدمت خراطيم المياه في جبلة، ونُفّذت ما وُصف بـ«اشتباكات وهمية» بذريعة ملاحقة «فلول النظام»، لتبرير الانتشار العسكري وقمع المتظاهرين.

ما بعد التفريق: مداهمات ليلية وبثّ الرعب في الأحياء

ومع حلول المساء، لم يتوقف المشهد عند تفريق الاحتجاجات. بل انتقل إلى مرحلة جديدة تمثلت بمداهمات واقتحامات لمنازل المدنيين في أحياء اللاذقية، أبرزها الدعتور والأزهري، ترافق ذلك مع إطلاق نار في الهواء وبث الرعب بين السكان.

ووفق مصادر في المرصد السوري، جاءت هذه الحملة عقب مظاهرات اتسمت بالسلمية الكاملة، ما عزز الاتهامات بعودة ممارسات «الشبيحة الجدد» واستخدام أدوات قمع لا تختلف عما كان سائداً في زمن نظام بشار الأسد.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى