روسيا تعود إلى الواجهة: وساطة مع إسرائيل تعيد رسم التوازنات وتضع الدور التركي على المـ ـحك
الدور التركي يواجه اختباراً صعباً

في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في المشهد الإقليمي، برزت روسيا مجدداً كوسيط رئيسي بين إسرائيل وسلطة دمشق الجديدة، في مسار تفاوضي يجري بعيداً عن الأضواء وبموافقة أميركية واضحة. هذا الدور المتجدد لموسكو، الذي يترافق مع مساعٍ لإعادة نشر قـ ـواتها في جنوب سوريا قرب الحدود الإسرائيلية، يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل النفـ ـوذ التركي، وحدود أدوار القوى الدولية في مرحلة ما بعد سقـ ـوط النظام السابق.
ووفق مصادر استخباراتية إسرائيلية، عملت موسكو خلال الأشهر الأخيرة على جسر الهوة بين تل أبيب ودمشق، بل إن إسرائيل نفسها، بحسب هذه المصادر، بادرت بطلب مباشر من روسيا لإعادة نشر قواتها داخل الأراضي السورية، في خطوة تهدف إلى ضبط الحدود الجنوبية ومنع أي تمدد لقوى تعتبرها تل أبيب أكثر خطورة، وعلى رأسها تركيا والفصائل المتحالفة معها. هذا التحرك يعكس قناعة إسرائيلية متزايدة بأن الوجود الروسي، رغم تعقيداته، يبقى أقل كلفة أمنياً من نفوذ إقليمي منافس.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة، حيث يلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا، حاملاً معه توصيات أمنية حساسة تتعلق بسوريا ولبنان وغزة وإيران. ورغم الرهان الإسرائيلي على تحقيق اختراق سياسي أو أمني، تشير المعطيات إلى تراجع التفاؤل بإمكان التوصل إلى اتفاق سريع، خاصة بعد تعثر المحادثات الجارية في باكو بين ممثلين عن إسرائيل وسلطة دمشق، والتي تتم بإشراف روسي ودعم أميركي.
الملف السوري يحتل موقعاً متقدماً على جدول أعمال نتنياهو، إلى جانب المرحلة الثانية من اتفاق غزة والمخاوف من إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية، فضلاً عن التوترات المستمرة على الجبهتين اللبنانية والسورية. وفي هذا السياق، ترى أوساط إسرائيلية أن الرئيس الأميركي يسعى إلى “إغلاق” الجبهة السورية أو على الأقل تثبيتها، عبر تفاهمات أمنية تمنع التصعيد وتفتح الباب أمام لقاء سياسي رفيع المستوى، ربما يجمع نتنياهو برئيس سلطة دمشق أحمد الشرع، وإن كانت هذه الفرضية تتراجع مع تعقّد المشهد.
ورغم الحديث عن “شبه فشل” في الوساطة الروسية، تؤكد مصادر إسرائيلية أن موسكو لم توقف جهودها، بل كثفت ضغوطها لدفع الطرفين نحو تفاهمات مرحلية. ويشير تقرير إسرائيلي إلى أن روسيا نقلت بالفعل جنوداً ومعدات عسكرية إلى الساحل السوري، لا سيما في محيط اللاذقية، بعد أن كانت قلّصت وجودها عقب سقوط نظام بشار الأسد. كما تسعى، بحسب التقرير ذاته، إلى إعادة انتشارها جنوباً، في مواقع كانت تتمركز فيها قبل التغيرات السياسية الأخيرة.
وفي المقابل، تنظر دمشق إلى هذا الدور الروسي بوصفه أداة لتحقيق توازن دقيق بين موسكو وأنقرة، مع الحفاظ على قنوات تفاوض مفتوحة مع إسرائيل. ووفق تقديرات إسرائيلية، قد تسمح سلطة دمشق الجديدة بوجود روسي موسّع في المنطقة المنزوعة السلاح قرب الجولان، مقابل مكاسب سياسية وأمنية، وربما عسكرية، تشمل الحصول على معدات قتالية ذات طابع استراتيجي.
غير أن هذا التقارب الروسي – السوري لا يخلو من مخاطر، إذ تخشى إسرائيل من احتمال عقد صفقة شاملة بين رئيس سلطة دمشق أحمد الشرع والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تخرج منها موسكو ودمشق رابحتين، على حساب المصالح الإسرائيلية. وتزداد هذه المخاوف مع تقارير تتحدث عن لقاء مرتقب بين الشرع وبوتين، واستضافة موسكو لوزيري الخارجية والدفاع لدى سلطة دمشق.
وفي خضم هذه التحولات، أوصت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نتنياهو بالإبقاء على الانتشار العسكري الحالي في جنوب سوريا، وعدم الانسحاب من النقاط المتقدمة، ولا سيما في جبل الشيخ، إلى حين اتضاح طبيعة النظام الجديد في دمشق. ويتركز القلق الإسرائيلي على احتمال تنفيذ هجمات مفاجئة من قبل جماعات متطرفة، ما يبرر، وفق التوصيات، استمرار الوجود العسكري.
خلاصة المشهد تشير إلى أن روسيا نجحت، حتى الآن، في استعادة موقعها كلاعب لا غنى عنه في الملف السوري، مستفيدة من تقاطع مصالح أميركية وإسرائيلية وسورية. وفي المقابل، يبدو أن الدور التركي يواجه اختباراً صعباً، في ظل تفضيل إقليمي ودولي متزايد لوساطة روسية تعيد رسم خطوط النفوذ جنوب سوريا، وتفتح فصلاً جديداً من التوازنات المعقدة في الشرق الأوسط.



