الليرة السورية بثوب جديد… والأزمـ ـة على حالها
تغيير الشكل وتجاهل الجوهر

كشف رئيس سلـ ـطة دمشق أحمد الشرع، إلى جانب حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، عن العملة السورية الجديدة خلال حفل أُقيم اليوم في قصر المؤتمرات بدمشق. وأكد الشرع أن نـ ـزع صفرين من العملة القديمة لا يعني تحسين الوضع الاقتصادي، بل يهدف إلى تسهيل التعامل النقدي وتنظيم عمليات البيع والشراء. ورغم الخطاب الرسمي المطمئن، تثير هذه الخطوة جملة من المخـ ـاوف الاقتصادية والنقدية، خصوصاً في ظل الواقع المعيشي الهـ ـش وانعدام الثقة بالقطاع المصرفي.
وأولى الإشكاليات تتمثل في غياب الأسس الاقتصادية الحقيقية التي تواكب عملية تبديل العملة. فالإجراءات النقدية من هذا النوع عادةً ما تكون ناجحة عندما تُنفّذ ضمن خطة إصلاح اقتصادي شاملة تشمل زيادة الإنتاج، استقرار سعر الصرف، ضبط التضخم، وتحسين بيئة الاستثمار. أما في الحالة السورية، فلا تزال معدلات البطالة مرتفعة، والقدرة الإنتاجية ضعيفة، والاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد والتحويلات، ما يجعل نزع الأصفار إجراءً شكلياً أكثر منه إصلاحياً.
ثانياً، هناك مخاوف جدية من التضخم المقنّع. فرغم التأكيد الرسمي على أن نزع الأصفار لا يعني رفع الأسعار، إلا أن التجارب العالمية تُظهر أن عمليات تبديل العملة غالباً ما تترافق مع تقريبات سعرية تضر بالمستهلك، خصوصاً في الأسواق غير المنضبطة. ومع ضعف الرقابة وغياب تسعير واضح، قد يستغل التجار المرحلة الانتقالية لرفع الأسعار بحجة الارتباك النقدي.
ثالثاً، تعاني سوريا من أزمة ثقة عميقة بالقطاع المصرفي، وهو ما أشار إليه الرئيس نفسه. فالمصارف تعاني من شح السيولة، وتقييد السحوبات، وضعف الخدمات، ما يجعلها غير قادرة على إدارة عملية تبديل العملة بسلاسة. هذا الواقع قد يدفع المواطنين إلى الإسراع في التخلص من العملة القديمة أو تحويل مدخراتهم إلى الدولار أو الذهب، ما يضغط أكثر على سعر صرف الليرة.
كما أن مخاطر الفزع النقدي تبقى قائمة، رغم الدعوات الرسمية للهدوء. فالتجارب السابقة داخل سوريا أظهرت أن المواطنين يتصرفون بدافع الخوف لا الثقة، خاصة في ظل غياب الشفافية الكاملة حول آليات الاستبدال، والفئات المشمولة، والفترة الزمنية الدقيقة، ما قد يؤدي إلى طوابير، سوق سوداء، ومضاربات وهمية.
ومن الجوانب السلبية أيضاً أن نزع الأصفار لا يعالج مشكلة الدولرة المنتشرة في السوق السورية. فالاقتصاد بات يعتمد بشكل واسع على الدولار في التسعير والادخار، ومع غياب إجراءات فعلية لتعزيز قيمة الليرة، قد تبقى العملة الجديدة مجرد أداة تداول محدودة التأثير، دون استعادة دورها كوعاء ادخاري.
وأخيراً، فإن الحديث عن تجريم المضاربة دون أدوات تنفيذ واضحة يثير الشكوك حول القدرة الفعلية على ضبط السوق. فالمضاربة ليست ظاهرة معزولة، بل نتيجة مباشرة لعدم الاستقرار النقدي، وأي محاولة لمعالجتها دون إصلاح جذري قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
وبالتالي، فإن إطلاق العملة السورية الجديدة يحمل مخاطر اقتصادية حقيقية إذا لم يُرافق بإصلاحات بنيوية، وشفافية كاملة، وضمانات فعلية لحماية القوة الشرائية للمواطن. وفي ظل الواقع الحالي، تبدو الخطوة أقرب إلى إجراء إداري يحمل أعباء نفسية واقتصادية إضافية على المواطن، بدل أن يشكّل مدخلاً فعلياً للتعافي الاقتصادي.



