أنقرة توازن بين تفكيك النفوذ الإيراني في العراق واستثمارها في لبنان عبر دعم حـ ـزب الله”

تعتمد تركيا على مقاربة مزدوجة في تعاملها مع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، تجمع بين تفكيك الميليشيات المدعومة من طهران في العراق والاستثمار والتقاطع التكتيكي في لبنان. فبينما تعتبر أنقرة تمدد هذه الميليشيات داخل العراق تهديداً مباشراً لأمنها القومي ونطاق نفوذها الإقليمي، فإنها لا تتردد في نسج تفاهمات غير معلنة مع إيران في ساحات أخرى عندما تتقاطع مصالحها.
في العراق، تعمل تركيا على تفكيك النفوذ الإيراني عبر تفكيك الميليشيات المسلحة تدريجياً، من خلال دعم مسارات أمنية واستخباراتية دقيقة. ويأتي هذا النهج من خشية أن يتحول العراق إلى ساحة نفوذ إيراني شبه خالصة، ما قد يقيّد قدرة أنقرة على المناورة ويحدّ من تأثيرها في التوازنات الإقليمية.
في المقابل، تتخذ أنقرة موقفاً مختلفاً في لبنان، حيث تظهر حالة استنفار سياسي وأمني وتسعى إلى منع نزع سلاح حزب الله ضمن إطار تنسيق غير معلن مع الاستخبارات الإيرانية. ويهدف هذا التقاطع إلى إبقاء إسرائيل منشغلة في لبنان وغزة، مما يبعد التركيز الإسرائيلي عن تركيا ويقلل من خطر تكرار السيناريو الذي حصل مع إيران، حيث استهدفت إسرائيل مواقع استراتيجية في عمق إيران، ما ألحق خسائر وأثر على قدرتها على المناورة.
بهذه الطريقة، توازن تركيا بين تفكيك النفوذ الإيراني في العراق لحماية مصالحها الإقليمية، ودعم حزب الله في لبنان لإبقاء إسرائيل منشغلة وإبعادها عن الساحة التركية، مما يمنح أنقرة حرية أكبر للتحرك وحماية أمنها القومي واستراتيجيتها الإقليمية.
في هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة عن عقد اجتماع بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، خصّص لمناقشة ملف الميليشيات العراقية المدعومة من إيران وسبل تفكيكها.
وبحسب المصادر، شددت الولايات المتحدة الأمريكية على ضرورة التوصل إلى تفاهم يفضي إلى تفكيك تلك الميليشيات بشكل تدريجي، يبدأ بالمجموعات الأقل ارتباطاً بمراكز القرار، وصولاً إلى الميليشيات الكبرى ذات النفوذ الواسع، وفي مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء.
وأشارت المصادر أن تركيا أوضحت أن المشهد السياسي العراقي تحكمه حسابات داخلية معقدة، حيث تسعى قوى سياسية تمتلك تمثيلاً برلمانياً إلى تحويل نفوذها إلى مكاسب تنفيذية ومواقع داخل الحكومة المقبلة، في ظل ما وصفه الوفد بصمت أميركي ودولي تجاه مساعي دمج الميليشيات ضمن مؤسسات الدولة.
وأضافت المصادر أن تركيا أكدت أن الميليشيات العراقية تمتلك ترسانة عسكرية متنوعة، تشمل صواريخ بالستية وطائرات مسيّرة، إضافة إلى خطط لاستهداف القواعد الأميركية داخل العراق.
ووفقاً لمعلومات قدّمتها تركيا، تحاول الحكومة العراقية منذ سنوات تجنب الانجرار إلى صراع عسكري مباشر، مع التركيز على سياسة الحياد وتحسين الأوضاع الاقتصادية، إلا أن التطورات الإقليمية المتسارعة باتت تتجاوز قدرتها على الاحتواء.
ونقلت المصادر أن تركيا أبلغت الجانب الأميركي بأن فيلق القدس الإيراني قدّم، خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، دعماً لخلايا تابعة لتنظيم داعش – خراسان، إضافة إلى مساعدات لعناصر من تنظيم القاعدة، رغم وجود مخططات لاستخدام تلك الخلايا ضد المصالح الأميركية.
سوريا: إدارة الصراع بالوكالة واستخدام التنظيمات المتطرفة
تلجأ تركيا إلى إدارة صراع بالوكالة لتحقيق أهداف استراتيجية في سوريا ولبنان، من خلال دعم وتنظيم التحركات الميدانية للتنظيمات المتطرفة، بما فيها خلايا داعش.
وقد تجلى ذلك بشكل واضح في الهجوم على وفد أميركي في تدمر، حيث قدمت أنقرة دعماً استخباراتياً ولوجستياً لتسهيل العملية.
بهذه الطريقة، تتحكم تركيا بصراع بالوكالة يحقق لها مكاسب مزدوجة: إضعاف خصومها، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعزيز نفوذها الإقليمي، مع تفادي الانجرار إلى مواجهة مباشرة، مع إبقاء لبنان وسوريا مسرحاً لصراع النفوذ وفق مصالحها.
لبنان: حزب الله كأداة توازن
تركز تركيا على لبنان كجبهة ردع أمام إسرائيل، من خلال:
ـ تعزيز قدرات حزب الله العسكرية والسياسية ومنع نزع سلاحه.
ـ تنسيق استخباراتي مع الحزب وإيران لتسهيل مرور الأسلحة والخبراء عند الحاجة.
ـ إبقاء إسرائيل منشغلة بقطاع غزة ولبنان، ما يقلل الضغط على تركيا.
بهذه الطريقة، تستخدم أنقرة حزب الله كأداة توازن استراتيجي، وتجمع بين حماية مصالحها الإقليمية وإدارة الصراعات بالوكالة، مع تفادي الانجرار إلى مواجهة مباشرة، بينما تواصل استخدام التنظيمات المتطرفة كوسيلة ضغط لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.



