الشيخ مقصود تحت النـ ـار مجدداً: قصـ ـف يعيد ذاكرة الأسد ويكشف وجه السلطة الجديدة

سلطة جديدة… أساليب قديمة

عادت مشـ ـاهد القـ ـصف والد..مـ ـار لتخيّم على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات الحـ ـرب الثقيلة التي عاشها السوريون تحت نيـ ـران قـ ـوات نظـ ـام بشار الأسد. فالهـ ـجمـ ـات التي تشنـ ـها فصـ ـائل سلـ ـطة دمشق المؤقتة بقيادة هيـ ـئة تحـ ـرير الشـ ـام والفصـ ـائل التابـ ـعة لتركيا، باستخدام المدفـ ـعية الثقيلة والدبـ ـابات والصـ ـواريخ، لا تستهـ ـدف مواقـ ـع عسـ ـكرية بل تطال الأحياء السكنية المكتظة بأكثر من 600 ألف مدني.

قصف عشوائي… وأحياء تتحول إلى أهداف

خلال الأيام الأخيرة، تعرضت مناطق واسعة داخل الأحياء الثلاثة لقصف عنيف، شمل مغسلة الجزيرة، فروج عمار، جامع الحسن، جامع الشيخ مقصود الكبير، شارع المفروشات في الأشرفية، شارع 15 و20، ساحة الشهداء، الشقيف، السكن الشبابي وحي معروف. القذائف سقطت مباشرة على منازل المدنيين، مخلّفة دماراً واسعاً في الممتلكات، وحالة من الذعر بين السكان، في انتهاك واضح للهدنة المعلنة واتفاقية الأول من نيسان.

حصيلة دامية… الضحايا مدنيون

وأسفر هذا القصف عن فقدان ثلاثة مدنيين لحياتهم، بينهم امرأتان، وإصابة 26 آخرين بجروح، بينهم أطفال وكبار في السن. الأسماء والأعمار تكشف بوضوح أن المستهدفين هم مدنيون لا علاقة لهم بأي أعمال قتالية: أطفال في عمر العامين والثلاثة أعوام، ومسّنون تجاوز بعضهم الثمانين عاماً، وشبان يعيشون في أحياء سكنية لا تحتوي على مواقع عسكرية.

هذه الحصيلة تعيد التذكير بقوائم الضحايا التي كانت تُنشر يومياً خلال سنوات حكم بشار الأسد، حين كان القصف العشوائي على الأحياء السكنية سياسة ثابتة لإخضاع المدن وكسر إرادة سكانها.

رد أمني… واستمرار التصعيد

قوى الأمن الداخلي – حلب أعلنت أنها تصدت للهجمات وأحبطت خمس محاولات تسلل إلى داخل الأحياء، مؤكدة سقوط قتلى وجرحى في صفوف المهاجمين. لكن هذا لم يمنع عودة الاشتباكات والقصف بوتيرة أعنف، خصوصاً بعد أن دفعت فصائل سلطة دمشق المؤقتة بتعزيزات عسكرية كبيرة شملت دبابات ومدرعات ثقيلة، ما ينذر بجولة تصعيد جديدة سيكون المدنيون وقودها الأساسي.

ذاكرة القصف لم تُمحَ

بالنسبة لسكان حلب، لا تبدو هذه المشاهد جديدة. فالقذائف التي تسقط اليوم على الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، هي نفسها التي كانت تسقط قبل سنوات على أحياء المدينة الشرقية والغربية، عندما كان نظام بشار الأسد يستخدم الطيران والمدفعية لتدمير الأحياء فوق رؤوس سكانها.

الفرق الوحيد، كما يقول كثير من الأهالي، هو اسم الجهة التي تضغط على الزناد. أما النتيجة، فهي نفسها: بيوت مدمرة، أطفال جرحى، وعائلات تبحث عن الأمان في مدينة لم تعرفه منذ أكثر من عقد.

سلطة جديدة… أساليب قديمة

ورغم الخطاب الذي رافق وصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم، والذي تحدث عن “مرحلة جديدة” و”دولة مختلفة”، فإن ما يجري اليوم على الأرض يؤكد عكس ذلك تماماً. فاستهداف الأحياء السكنية، واستخدام السلاح الثقيل في مناطق مأهولة، واعتبار المدنيين مجرد “أضرار جانبية”، هي ممارسات تشبه إلى حد التطابق ما كان يفعله نظام بشار الأسد.

كثيرون يرون أن السلطة الجديدة لا تختلف في جوهرها عن السلطة القديمة، بل تعيد إنتاج المنطق نفسه: الحكم بالقوة، وإدارة الخلافات بالقصف، ومعاقبة المجتمعات المحلية جماعياً.

المدنيون… الخاسر الدائم

في النهاية، يبقى المدنيون هم الضحية الأولى والأخيرة. أكثر من 600 ألف إنسان يعيشون اليوم تحت تهديد دائم، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية لحمايتهم، وفي ظل تجاهل واضح لكل الاتفاقات والهدن المعلنة.

إن ما يجري في حلب اليوم ليس مجرد جولة عسكرية جديدة، بل هو رسالة قاسية للسوريين مفادها أن تغيير الوجوه في السلطة لم يؤدِّ إلى تغيير طريقة الحكم، وأن زمن استهداف المدنيين، للأسف، لم ينتهِ بعد… بل دخل فصلاً جديداً بأسماء وشعارات مختلفة، وبالنتائج المأساوية نفسها.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى