عام من التغـ ـييب القـ ـسـ ـري… آفـ ـة سوريا قبل الأسد وبعده

بعد عام كامل على حمـ ـلات التوقـ ـيف الواسعة التي شـ ـنتـ ـها سلـ ـطة دمشق المؤقتة بقـ ـيادة هيـ ـئة تحـ ـرير الشـ ـام، في مدينة حمص مع مطلع 2025، لا تزال مئات العائلات السورية تعيش على وقع الانتظار القـ ـاتـ ـل، بحثاً عن إجابة واحدة: هل أبناؤنا أحـ ـيـ ـاء أم في عداد المـ ـوتـ ـى؟
الملف الذي بدأ كـ”إجراء أمني مؤقت” وفق تقرير لـ “اندبندنت” تحوّل إلى واحدة من أكثر القضايا غموضاً وإيلاماً في سوريا ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. فبحسب شهادات حقوقيين ومحامين وذوي معتقلين، لم تُوجَّه حتى اليوم أي تهم رسمية لغالبية الموقوفين، ولم يُعرضوا على قضاء مستقل، كما لم تُنشر قوائم بأسمائهم أو أماكن احتجازهم.
حملة حمص… البداية الصادمة
لم يمضِ شهر على وصول “هيئة تحرير الشام” إلى الحكم مطلع 2025، حتى أُطلقت حملة تمشيط واسعة في أحياء حمص، بذريعة ملاحقة فلول النظام السابق ومجرمي الحرب. شاركت فيها فصائل مسلحة وقوى أمنية، وانتهت باعتقال مئات المدنيين، معظمهم من أبناء الأحياء العلوية، وسط تقارير عن تجاوزات شملت تكسير ممتلكات واعتداءات جسدية.
تقديرات محلية وحقوقية تحدثت آنذاك عن أكثر من ألف معتقل، غالبيتهم مدنيون، اختفوا داخل شبكة سجون تمتد من حمص وريف دمشق إلى إدلب وحلب وعفرين.
وعود مؤقتة… تحوّلت إلى مصير مفتوح
السلطات أكدت حينها أن التوقيف “إجراء احترازي مؤقت”، وأن من لم تثبت إدانته سيُفرج عنه سريعاً. لكن بعد مرور عام كامل، لم يتحقق شيء من تلك الوعود، باستثناء إفراجات محدودة ومتباعدة، غالباً ما جاءت في سياق امتصاص الغضب الشعبي.
يقول الحقوقي جلال إبراهيم إن “ما يجري لم يعد إجراء احترازياً، بل أصبح نموذجاً لاحتجاز بلا أفق قانوني، في ظل غياب كامل للشفافية والرقابة القضائية”.
أما المحامي عمر عزام فيؤكد أن “الملف يُدار في فراغ قانوني تام، فلا دعاوى، ولا قضاء، ولا معلومات رسمية، بل توقيف انتقائي مفتوح المدة”.
سجون بلا خرائط… ومصير بلا معلومات
تتحدث مصادر “اندبندنت عربية” عن تنقل المعتقلين بين عدة سجون: الأمن العسكري، أمن الدولة، البالونة، السجن المركزي، ثم إلى إدلب وحلب وريف دمشق. ولا توجد أي جهة رسمية تعلن أماكن الاحتجاز أو توضح أسباب النقل أو المدد القانونية للتوقيف.
بعض الأهالي سُمح لهم بزيارات نادرة، وبعضهم تمكن فقط من إرسال ملابس أو طعام، بينما الغالبية لا تعلم شيئاً عن مصير أبنائها.
عائلات تعيش على حافة الانهيار
منى حازم، والدة شاب في التاسعة عشرة من عمره، تقول: “اعتقلوا ابني من البيت بلا تهمة. منذ عام لا أعرف إن كان حياً أم ميتاً. نحن لا نعيش… نحن نبكي فقط.”
أما رستم، شقيق أحد المعتقلين، فيقول إن أخاه مريض وله ثلاثة أطفال، ومع ذلك “لا أحد يجيبنا: أين هو؟ ولماذا هو معتقل؟ وإلى متى؟”.
بين خطاب السلطة وواقع السجون
رئيس سلطة دمشق المؤقتة، أحمد الشرع كان قد أعلن أن “الثورة انتهت وحان وقت بناء الدولة”، وأن المرحلة الجديدة هي “نصر بلا ثأر”. لكن الوقائع على الأرض، وفق تقارير أممية، تشير إلى مقتل نحو 10 آلاف سوري خلال الأشهر الثمانية الأولى بعد سقوط النظام، واستمرار الاعتقالات اليومية.
هذا التناقض بين الخطاب والواقع أعاد إلى الأذهان مناخ الطوارئ والقبضة الأمنية، ولو بلا إعلان رسمي.
ذاكرة لم تُغلق… وقمع يُعاد إنتاجه
مدينة حمص، التي كانت لعقد كامل رمزاً للاعتقال والقصف والتهجير، تجد نفسها اليوم أمام نسخة جديدة من التغييب القسري. كثيرون يرون أن ما يجري هو إعادة إنتاج لأدوات القمع القديمة، ولكن بوجوه جديدة.
المحامية منار عبدالهادي تقول إن “العائلات اليوم تعيش صدمة مضاعفة: لا تعرف إن كان أبناؤها أحياء، وبعضهم اكتشف أن ابنه مات منذ زمن بينما كان يُقال له إنه بخير”.
السؤال المفتوح
بعد عام كامل، لا قوائم رسمية، لا لوائح اتهام، لا مسار قضائي واضح، ولا أفق زمني. فقط سجون ممتلئة، وعائلات معلّقة بين الأمل والفاجعة.
في سوريا الجديدة، يبدو أن التغييب القسري لم يغادر المشهد… بل غيّر فقط لافتته.



