اعتـ ـرافات داخل “العدالة والتنمية”: الاقتصاد يتحول إلى عـ ـبء سياسي

تشهد أروقة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا حالة متصاعدة من القـ ـلق والتوتـ ـر بسـ ـبب تفـ ـاقم الأزمـ ـة الاقتصادية، في ظل اعتـ ـرافات داخلية غيـ ـر مسبوقة بأن السياسات المتبعة لم تعد كافية لاحتواء تداعيات التضخم وغلاء المعيشة، وأن الملف الاقتصادي بات يمثل “أكبر عـ ـبء سياسي” يواجه الحزب منذ سنوات.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام تركية، فإن قيادات ونواباً في الحزب الحاكم يقرّون بأن الغضب الشعبي لم يعد محصوراً في شرائح محددة كذوي الدخل المحدود أو المتقاعدين، بل امتد ليشمل الطبقة الوسطى وقطاع الأعمال، في مؤشر خطير على اتساع رقعة التذمر الاجتماعي وتآكل القاعدة التقليدية الداعمة للحزب.

وتشير الصحفية نوراي باباجان إلى أن مسؤولي الحزب باتوا يواجهون صعوبة متزايدة في النزول إلى الشارع أو التواصل المباشر مع المواطنين، إذ يصطدمون يومياً بشكاوى حادة حول تراجع القوة الشرائية وارتفاع الأسعار وتدهور مستوى المعيشة، ما وضع الحزب في مأزق سياسي حقيقي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

تضخم مرتفع واحتقان اجتماعي

ورغم إعلان الحكومة تسجيل انخفاض طفيف في معدل التضخم من 31.07% في تشرين الثاني إلى 30.89% في كانون الأول الفائت، وتقديم ذلك كدليل على نجاح البرنامج الاقتصادي الحالي، إلا أن بيانات غير رسمية وتقديرات مستقلة تشير إلى أن المعدلات الحقيقية أعلى بكثير، وهو ما يفسر استمرار الضغوط المعيشية وشعور المواطنين بعدم حدوث أي تحسن فعلي في حياتهم اليومية.

ولم تعد آثار الأزمة تقتصر على المستهلكين، بل طالت أيضاً قطاع الأعمال، حيث يسود تشاؤم واضح في أوساط رجال الأعمال والصناعيين. فخلال اجتماعات مع مسؤولين اقتصاديين، برزت شكاوى متكررة من قيود الائتمان، وضعف دعم بنك التصدير (Eximbank)، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما دفع بعض الشركات، خصوصاً في القطاعات كثيفة العمالة، إلى نقل استثماراتها إلى دول مثل مصر والصين بحثاً عن تكاليف أقل وبيئة أكثر استقراراً.

انقسام داخل الحزب حول المسار الاقتصادي

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، يضغط عدد من برلمانيي الحزب الحاكم على وزير الخزانة والمالية محمد شيمشك ونائب الرئيس جودت يلماز لاتخاذ إجراءات تخفيفية عاجلة، غير أن الثنائي لا يزال متمسكاً بالبرنامج الاقتصادي القائم على سياسة نقدية متشددة وتقشف مالي، رافضاً أي تراجع قد يُفسَّر على أنه اعتراف بفشل المسار الحالي.

وفي المقابل، يروج جناح متفائل داخل الحزب لسيناريو “الانفراج الوشيك”، مدعياً أن نتائج السياسة النقدية الصارمة ستبدأ بالظهور في النصف الثاني من عام 2026، مع توقع انخفاض التضخم إلى نحو 29% بحلول شباط المقبل، وبدء خفض تدريجي لأسعار الفائدة وصولاً إلى مرحلة “التعافي التام”.

إنجازات حكومية… ورواية محل تشكيك

وتتباهى الحكومة بما تصفه “نجاحات إدارية”، مثل إنهاء نظام الودائع المحمية بالعملة الصعبة، وزيادة الاحتياطيات الأجنبية، وتقليص عجز الموازنة. غير أن مصادر داخل الحزب تشير بسخرية إلى أن هذه الخطوات تُقدَّم وكأنها تصحيح لأخطاء حكومة سابقة، رغم أن الحكومة الحالية نفسها هي من أقرّ تلك السياسات في الأصل.

المعارضة تستثمر الأزمة

وفي المقابل، نجح حزب الشعب الجمهوري المعارض في استثمار السخط الشعبي المتزايد، مقدماً نفسه كبديل قادر على معالجة الأزمة الاقتصادية، ومستفيداً من حالة التململ داخل الشارع التركي ومن التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.

فجوة بين الخطاب والواقع

في المحصلة، تبدو الرواية المتفائلة التي يروّج لها حزب العدالة والتنمية بعيدة عن مزاج الشارع التركي. فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن تحسن تدريجي، لا يزال المواطنون يرزحون تحت ضغط الغلاء، ويعاني رجال الأعمال من تآكل الصناعة والاستثمار، ما يبرز فجوة عميقة بين ما يُقال في الغرف المغلقة وما يعيشه الأتراك في حياتهم اليومية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى