دير حافر ومسكنة بين التحـ ـريض والتصـ ـعيد المنـ ـظّم

تشهد الساحة السورية في الأيام الأخيرة تصـ ـعيداً إعلامياً وسياسياً لافتاً حول منطقتي دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، في سياق ترويج روايات تتحدث عن “هجـ ـوم وشـ ـيك” أو تحـ ـركات عسـ ـكرية لقـ ـوات سوريا الديمقراطية (قسد) باتجاه المنطقتين. غير أن المعطيات الميدانية والتصريحات الرسمية تؤكد أن ما يجري تداوله يندرج في إطار حملة تحـ ـريض منـ ـظـ ـمة من قبل سلـ ـطة دمشق تهدف إلى صرف الأنظار عن الأزمـ ـات الحقيقية التي تعيشها البلاد، وخـ ـلق ذريـ ـعة لتفـ ـجـ ـير جبـ ـهة جديدة ونسف المسار السياسي القائم.
وفي هذا الإطار، أعلنت سلطات دمشق، اليوم، دير حافر ومسكنة منطقتين عسكريتين مغلقتين، ونشرت خريطة حدّدت فيها باللون الأحمر المناطق التي قالت إنها ستستهدفها، في خطوة أعادت إلى الأذهان الأسلوب الذي اتبعته إسرائيل قبل استهدافها لمنازل المدنيين في قطاع غزة. وترافق هذا الإعلان مع تصعيد ميداني، حيث أفادت قوات سوريا الديمقراطية في بيان رسمي أن قوات السلطة بدأت بالفعل “باستهداف بلدة دير حافر بقذائف المدفعية”.
في المقابل، اتهمت دمشق، الاثنين، قوات سوريا الديمقراطية بإرسال تعزيزات عسكرية إلى دير حافر، التي تبعد أقل من 50 كيلومتراً شرق حلب، وهو ما نفته قسد بشكل قاطع، مؤكدة أنها لم تقم بأي تحشيدات أو استعدادات على خطوط التماس في تلك المنطقة أو في مسكنة.
وبحسب مصادر ميدانية، فإن سلطات دمشق، مدعومة بالقوات التركية وفصائل “الجيش الوطني” التابعة لأنقرة، هي من أرسلت تعزيزات عسكرية إلى محيط دير حافر، في وقت تتصاعد فيه حملات التحريض الإعلامي ضد قوات سوريا الديمقراطية، في محاولة واضحة لرسم صورة مغايرة للواقع الميداني وتبرير أي تصعيد محتمل.
ويؤكد مراقبون أن الوضع في دير حافر ومسكنة لا يمكن مقارنته إطلاقاً بما كان يجري في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حيث كان الحيان يعيشان حالة حصار شبه كامل وظروفاً عسكرية وأمنية مختلفة جذرياً. ففي السادس من كانون الثاني الجاري، شنّت قوات سلطة دمشق وفصائل الجيش الوطني والمسلحين الأجانب من الإيغور والشيشان هجوماً واسعاً على الحيين ذوي الغالبية الكردية.
وبحسب تقارير إعلامية، شارك في ذلك الهجوم أكثر من 40 ألف مسلح، مدعومين بعشرات الدبابات والعربات المدرعة، وتم خلاله قصف المباني السكنية بشكل مباشر، ما أدى إلى تهدمها فوق رؤوس ساكنيها. وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل أكثر من 50 مدنياً وإصابة أكثر من 100 آخرين، في واحدة من أعنف الجرائم التي ارتكبتها قوات سلطة دمشق مع مطلع العام الجديد بعد مجازر ارتكبتها العام الفائت في كل من الساحل والسويداء راح ضحيتهما الآلاف من العلويين والدروز.
واستمرت المعارك حتى الساعات الأولى من يوم 11 كانون الثاني، قبل أن تقوم سلطات دمشق باختطاف أكثر من 300 مدني كوردي، لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم، حيث تم فصل الرجال عن النساء واقتيادهم إلى جهات غير معروفة. كما رافقت الهجمات عمليات تمثيل مروعة بجثث الضحايا، شملت رمي بعضهم من أعلى البنايات، إضافة إلى حادثة صادمة تم فيها شق صدر شاب كوردي واقتلاع قلبه وإحدى عينيه بعد اختطافه.
وفي ضوء هذه الوقائع، يرى محللون أن محاولة الربط بين دير حافر ومسكنة وبين سيناريو الشيخ مقصود والأشرفية ليست سوى جزء من حملة تضليل إعلامي وتحريض سياسي تهدف إلى خلق أجواء توتر مصطنعة، وتقديم ذرائع لتوسيع رقعة المواجهة.
من جهتها، تؤكد قوات سوريا الديمقراطية أنها لم تعلن الحرب، ولم تظهر أي استعدادات هجومية، وأنها لا تزال ملتزمة بسياسة ضبط النفس وتغليب الحلول السياسية. غير أنها شددت في الوقت نفسه على أنها تحتفظ بحقها الكامل والمشروع في الدفاع عن النفس، وأنها سترد بما يتناسب مع أي اعتداء يستهدف مناطقها أو قواتها أو السكان المدنيين.
وتأتي هذه الحملات التحريضية، بحسب متابعين، في سياق مساعٍ تقودها سلطة دمشق وتركيا لنسف اتفاقية 10 آذار، التي شكّلت خلال الفترة الماضية أحد المسارات القليلة المتبقية لاحتواء التصعيد وفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقراراً في سوريا.
ويحذّر مراقبون من أن استمرار هذا النهج القائم على التحريض وافتعال الأزمات قد يدفع المنطقة إلى جولة جديدة من العنف الواسع، ستكون كلفتها الإنسانية باهظة، في وقت يعيش فيه السوريون واحدة من أسوأ الأزمات المعيشية والاقتصادية في تاريخهم الحديث.
وفي ظل غياب أي مؤشرات على تحركات هجومية من جانب قوات سوريا الديمقراطية، يبدو أن ما يجري تداوله حول “هجوم وشيك” على دير حافر ومسكنة ليس سوى محاولة لصرف الأنظار عن المشكلات البنيوية العميقة التي تعيشها سلطة دمشق خصوصاً بعد أن وقعت اتفاقية مع إسرائيل مطلع كانون الثاني الجاري، تنازلت فيها عن الجنوب السوري وجبل الشيخ وبعض أجزاء ريف دمشق لصالح إسرائيل، وكذلك عن الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها مناطق أخرى خاضعة لسيطرتها فضلاً عن الأزمة الاقتصادية والفساد المستشري في مفاصلها وعدم وفائها بأي وعد قطعته للسوريين بعد مرور عام على وصولها إلى سدة الحكم.
وبينما تتواصل المناشدات لضبط النفس وتغليب لغة الحوار، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الأطراف الدافعة نحو التصعيد ستواصل لعبتها الخطرة، أم أن صوت العقل سيفرض نفسه قبل انزلاق جديد نحو مواجهة لا يبدو أن أحداً قادر على تحمّل تبعاتها.



