جبل عقيل… تجـ ـريف تركي وصمت من سلـ ـطة دمشق المؤقتة!

جبل عقيل نموذجاً للانتهاكات التركية في سوريا.. تجريف وتهجير قسري مستمر منذ 2016

تتصاعد في منطقة جبل عقيل بمدينة الباب بريف حلب ملامح واقـ ـع معقّد من الانتهـ ـاكات المرتبطة بالوجود العسـ ـكري التركي، حيث تتواصل عمـ ـليات تجـ ـريف منازل المدنيين وتحويل المنطقة إلى نطاق عسـ ـكري مغـ ـلق، في ظل منـ ـع السكان من العودة إلى ممتلكاتهم. ويأتي ذلك وسط صمت مستمر من سلـ ـطة دمشق المؤقتة حيال ما يجري، رغم المناشدات المتكررة من الأهالي، ما يسلّط الضوء على نموذج أوسع من سياسات التهجـ ـير القـ ـسري والاستـ ـيلاء على الأراضي التي شهدتها مناطق شمال سوريا منذ عام 2016.

وبحسب مصادر محلية، تواصل القوات التركية تنفيذ عمليات هدم وتسوية واسعة لما تبقى من منازل المدنيين في محيط القاعدة العسكرية المقامة على جبل عقيل، باستخدام آليات ثقيلة، حيث طالت هذه العمليات أبنية تعود لسكان نزحوا سابقاً نتيجة العمليات العسكرية. ويرى الأهالي أن هذه الإجراءات لا تقتصر على كونها أعمالاً ميدانية، بل تمثل خطوة إضافية نحو تثبيت واقع التهجير القسري ومنع أي إمكانية لعودة السكان الأصليين إلى منازلهم.

وشهدت المنطقة خلال الأيام الماضية تصعيداً لافتاً، إذ نُفذت عمليات تجريف جديدة بعد وقت قصير من انتهاء وقفة احتجاجية نظمها الأهالي، الذين عبّروا عن رفضهم لاستمرار تدمير ممتلكاتهم. ورفع المحتجون شعارات تؤكد تمسكهم بأراضيهم، مطالبين بإخلاء القاعدة العسكرية والسماح لهم بالعودة، إلا أن هذه المطالب قوبلت بالتجاهل، ما زاد من حالة الاحتقان الشعبي.

ويشير سكان محليون إلى أن ما يجري في جبل عقيل يمثل نموذجاً متكرراً في مناطق عدة خاضعة للسيطرة التركية، حيث يتم الاستيلاء على الأراضي والمنازل وتحويلها إلى مواقع عسكرية، في ظل غياب أي آليات قانونية تضمن حقوق المالكين الأصليين. كما يؤكدون أن استمرار عمليات التجريف يعمّق من معاناتهم، خاصة مع فقدانهم لمصادر رزقهم وغياب أي تعويضات.

ولا يمكن فصل ما يحدث في جبل عقيل عن السياق الأوسع للتدخل التركي في سوريا، والذي بدأ في عام 2016، حيث شهدت مناطق واسعة، لا سيما في مناطق الباب وعفرين، عمليات تهجير قسري ممنهجة طالت المكون الكوردي بشكل خاص. ووفق تقارير حقوقية، تم تفريغ نحو 107 قرى كوردية في ريف الباب من سكانها فيما جرى تفريغ عفرين بنسبة أكثر من 75 % من سكانها الكورد، نتيجة الهجمات التي شنتها والضغوط الأمنية التي منعت عودة الأهالي إلى مناطقهم.

وترافقت هذه الهجمات مع تغييرات ديموغرافية واضحة، حيث جرى توطين عائلات أخرى وخصوصاً من التركمان وعناصر الفصائل الموالية لتركيا في القرى والبلدات التي تم إخلاؤها، في حين بقي السكان الأصليون في حالة نزوح مستمر، دون أفق واضح للعودة. كما تم الاستيلاء على ممتلكاتهم، بما في ذلك الأراضي الزراعية والمنازل، واستخدامها لأغراض عسكرية أو توزيعها على جهات موالية.

وفي هذا السياق، برز إنشاء القواعد العسكرية التركية كأحد أبرز ملامح السيطرة، حيث أُقيمت هذه القواعد في مواقع استراتيجية بعد إخلائها من سكانها، كما هو الحال في جبل عقيل، ما يعزز من تثبيت وجود عسكري طويل الأمد.

ويؤكد متابعون أن هذا النمط من الانتشار العسكري يرتبط بشكل مباشر بسياسات فرض الأمر الواقع على الأرض.

ويعيش آلاف المهجرين من أبناء تلك المناطق، لا سيما من المكون الكوردي، أوضاعاً إنسانية صعبة، حيث فقدوا منازلهم وأراضيهم ومصادر دخلهم، في ظل غياب الدعم الكافي وافتقارهم للضمانات القانونية التي تمكنهم من استعادة حقوقهم. كما يواجهون تحديات إضافية تتعلق بالاستقرار والمعيشة في مناطق النزوح.

ورغم تكرار المناشدات من الأهالي والفعاليات المحلية، لا تزال سلطة دمشق المؤقتة التي وصلت إلى سدة الحكم في نهاية عام 2024 تلتزم الصمت حيال هذه الانتهاكات، دون اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجتها.

ويُنظر إلى هذا الموقف على أنه تغاضٍ عن ممارسات مستمرة تمس حقوق المواطنين، خاصة في ظل غياب أي تحرك رسمي لوقف عمليات التجريف أو الضغط باتجاه إعادة الممتلكات إلى أصحابها.

وفي ظل هذا الواقع، يرى مراقبون أن ما يجري في جبل عقيل ليس سوى جزء من مشهد أوسع يعكس استمرار الانتهاكات في مناطق السيطرة التركية، وسط غياب المساءلة الدولية والمحلية، واستمرار معاناة السكان الذين لا يزالون ينتظرون حلولاً تضمن عودتهم واستعادة حقوقهم المسلوبة.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى