الاتحاد الأوروبي يعيد فتح ملف التوسع بدوافع أمـ ـنية… وتركيا في مسار متعـ ـثر والجبل الأسود الأقرب للانضمام

يشهد الاتحاد الأوروبي تحولاً لافتاً في مقاربته لملف التوسع، مع إعادة فتح مسارات الانضمام لدول مرشحة في غرب البلقان، مدفوعاً باعتبارات أمـ ـنية وجيوسياسية تتجاوز البعد الاقتصادي التقليدي، في ظل الحـ ـرب في أوكرانيا، وتدهـ ـور العلاقات مع روسيا، وتزايد الشـ ـكوك حول الاستقرار في محيط أوروبا الشرقي.
وبحسب تقارير أوروبية، فإن بروكسل باتت تنظر إلى التوسع كأداة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وليس فقط كمشروع اندماج اقتصادي. وفي هذا السياق، برزت الجبل الأسود كأقرب المرشحين للانضمام، بعد موافقة الاتحاد الأوروبي على بدء صياغة معاهدة الانضمام، وهي خطوة وُصفت بأنها مرحلة متقدمة تمهّد للعضوية الفعلية بانتظار تصديق الدول الأعضاء الـ27.
وتشير المعطيات إلى أن الجبل الأسود، التي حصلت على صفة دولة مرشحة عام 2010 وبدأت مفاوضاتها عام 2012، قطعت شوطاً مهماً في مسار الاندماج، مستفيدة من صغر حجمها النسبي (نحو 600 ألف نسمة)، وانخراطها في مؤسسات غربية مثل حلف شمال الأطلسي عام 2017، إضافة إلى اعتمادها عملياً على اليورو منذ عام 2002، ما عزز اندماجها في المنظومة الأوروبية.
وفي المقابل، لا يزال ملف التوسع الأوروبي يواجه تعقيدات في دول أخرى مثل صربيا وألبانيا والبوسنة والهرسك وأوكرانيا، حيث تشير تقارير المفوضية الأوروبية إلى تحديات تتعلق بسيادة القانون، وحرية الإعلام، ومكافحة الفساد، إضافة إلى التوترات السياسية الداخلية والتجاذبات الجيوسياسية مع روسيا.
وضمن هذا المشهد، تبرز تركيا كأحد أكثر ملفات التوسع تعقيداً وتعثراً. فقد بدأ مسارها مع أوروبا منذ اتفاق عام 1963، وتقدمت بطلب العضوية عام 1987، وحصلت على صفة دولة مرشحة عام 1999، قبل انطلاق مفاوضات الانضمام عام 2005. إلا أن هذه المفاوضات دخلت لاحقاً في حالة جمود شبه كامل، نتيجة خلافات سياسية ومؤسساتية عميقة.
وتتعلق أبرز العقبات التي تواجه تركيا بملفات استقلال القضاء وحرية الإعلام والتحول السياسي الداخلي، إلى جانب استمرار الخلاف المزمن مع قبرص، والتوتر في شرق المتوسط. كما ساهم التحول نحو نظام رئاسي واسع الصلاحيات في زيادة التحفظات الأوروبية على مسار الإصلاح الديمقراطي في أنقرة.
وخلال العقد الأول من الألفية، شهدت تركيا زخماً إصلاحياً نسبياً، إلا أن هذا المسار تراجع تدريجياً، لتتحول العلاقة مع الاتحاد الأوروبي إلى شراكة وظيفية تركز على ملفات مثل الهجرة والأمن والطاقة، حيث تلعب أنقرة دوراً محورياً في ضبط تدفقات اللاجئين نحو أوروبا، ما يمنحها ثقلاً عملياً رغم الجمود السياسي في ملف الانضمام.
وفي المقابل، اتجهت تركيا إلى سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، عززت فيها علاقاتها مع روسيا، وانفتحت على آسيا، ووسّعت حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا، في مؤشر على تراجع أولوية الانضمام للاتحاد الأوروبي دون إنهائه رسمياً.
وتشير تقارير البرلمان الأوروبي إلى تراجع في معايير الديمقراطية وحرية الإعلام في عدد من الدول المرشحة، ما يعكس تشدد بروكسل في تطبيق معايير كوبنهاغن المتعلقة بالديمقراطية وسيادة القانون والقدرة الاقتصادية، وهو ما يدفع نحو نهج انتقائي في التوسع يقوم على تسريع انضمام الدول الأكثر جاهزية، مقابل إبقاء الملفات المعقدة في مسارات طويلة أو معلقة.
في المحصلة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يتجه إلى إعادة تعريف مفهوم التوسع، باعتباره أداة جيوسياسية لضبط الاستقرار الإقليمي، أكثر من كونه مشروعاً اقتصادياً صرفاً، حيث تتقدم الجبل الأسود كأقرب المرشحين للعضوية، بينما تبقى تركيا في مسار طويل ومعقد يعكس حدود الاندماج السياسي بين أنقرة وبروكسل.



