بدء محـ ـاكمة إمام أوغلو بتـ ـهمة التجـ ـسس يفـ ـاقم الأزمـ ـة السياسية في تركيا

دخل المشهد السياسي التركي مرحلة جديدة من التصـ ـعيد، مع بدء أولى جلسات محـ ـاكمة رئيس بلدية إسطنبول المحتـ ـجز أكرم إمام أوغلو بتهـ ـمة “التجـ ـسس السياسي”، في قـ ـضية تُضاف إلى سلسلة ملاحـ ـقـ ـات قضـ ـائية يواجهها منذ اعتـ ـقاله في آذار/مارس 2025، وسط اتهـ ـامـ ـات متصـ ـاعدة من المعارضة باستخدام القـ ـضاء لتصـ ـفية الخـ ـصوم السياسيين.
وتعقد الدائرة 25 لمحكمة جنايات إسطنبول أولى جلسات المحاكمة داخل سجن سيليفري غربي إسطنبول، حيث يواجه إمام أوغلو، المرشح الرئاسي لحزب “الشعب الجمهوري” وأبرز وجوه المعارضة التركية، اتهامات بتسريب بيانات ملايين الناخبين خلال الانتخابات المحلية لعام 2019 إلى جهات استخباراتية أجنبية، من بينها جهاز “الموساد” الإسرائيلي، وفق لائحة الاتهام.
وتطالب النيابة العامة بفرض عقوبات بالسجن تتراوح بين 15 و20 عاماً على إمام أوغلو وثلاثة متهمين آخرين، إضافة إلى منعه من ممارسة العمل السياسي لفترة موازية لمدة العقوبة، ما قد يطيح فعلياً بمستقبله السياسي ويحرمه من خوض أي استحقاق انتخابي مقبل.
ويحاكم إلى جانب إمام أوغلو كل من مستشاره الإعلامي نجاتي أوزكان، ومدير قناة “تيلي 1” المعارضة الصحافي مردان يانارداغ، بتهم تتعلق بالمساهمة في تسريب بيانات سرية تخص نحو 4.7 مليون ناخب، بزعم انتقالها لاحقاً إلى أجهزة استخبارات أجنبية.
وتستند القضية إلى تحقيقات مرتبطة برجل الأعمال حسين غون، الذي اعتُقل في تموز/يوليو 2025 بتهمة التجسس لصالح دول أجنبية، قبل أن يتحول إلى شاهد رئيسي بعد اعترافه بالعمل لصالح الاستخبارات البريطانية، مستفيداً من ما يعرف قانونياً بمبدأ “التوبة الفعالة”.
وبحسب ملف الادعاء، التقى غون مستشار إمام أوغلو قبل أيام من جولة إعادة انتخابات بلدية إسطنبول عام 2019، عارضاً خدمات تتعلق بتحليل اتجاهات التصويت على وسائل التواصل الاجتماعي، غير أن الدفاع يؤكد أن هذه اللقاءات لا تثبت أي صلة بالتجسس، ويتهم النيابة بربط وقائع منفصلة بشكل انتقائي لخدمة ملف سياسي.
ويعرّف قانون العقوبات التركي “التجسس السياسي” بأنه الحصول على معلومات سرية تمس أمن الدولة أو مصالحها السياسية لصالح جهات خارجية، وهي تهمة شديدة الحساسية في السياق التركي، وتحمل أبعاداً سياسية وأمنية واسعة.
وفي موازاة ذلك، لا تزال محاكمة إمام أوغلو في قضية الفساد مستمرة للشهر الثالث، إذ يواجه تهماً بتشكيل منظمة إجرامية والتلاعب بالمناقصات داخل بلدية إسطنبول، مع 142 تهمة مختلفة تصل العقوبات المحتملة فيها إلى أكثر من 2400 سنة سجن.
كما نفذت السلطات التركية خلال الأيام الماضية حملة اعتقالات جديدة شملت عشرات الموظفين والمسؤولين المرتبطين ببلدية إسطنبول، في إطار توسيع التحقيقات المالية والإدارية.
ويواجه إمام أوغلو أيضاً قضايا أخرى، من أبرزها اتهامه بتزوير شهادته الجامعية، بعدما ألغت جامعة إسطنبول شهادته قبل يوم واحد من اعتقاله، في خطوة فسّرها خصوم الحكومة على أنها محاولة قانونية لمنعه من استيفاء شروط الترشح للرئاسة.
وتعتبر المعارضة التركية أن ملاحقة إمام أوغلو، الذي يُنظر إليه كأقوى منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان، تحمل دوافع سياسية واضحة تهدف إلى إبعاده عن السباق الرئاسي، خاصة مع تصاعد شعبيته في استطلاعات الرأي.
وأظهرت أحدث الاستطلاعات أن إمام أوغلو يتفوق على أردوغان في حال جرت انتخابات مبكرة، إذ تشير النتائج إلى إمكانية حصوله على أكثر من 57% من الأصوات في جولة إعادة محتملة، مقابل نحو 42% للرئيس التركي.
في المقابل، ترفض الحكومة التركية اتهامات المعارضة، وتؤكد أن القضاء مستقل ولا يخضع لأي تدخل سياسي، مشددة على أن جميع القضايا تُدار وفق القانون.
وتزامناً مع بدء المحاكمة، تتواصل الاحتجاجات والتجمعات الشعبية التي ينظمها حزب “الشعب الجمهوري” في مدن تركية عدة، للمطالبة بالإفراج عن إمام أوغلو وإجراء انتخابات مبكرة، في مؤشر على اتساع الأزمة السياسية والانقسام الداخلي في البلاد.



