فايننشال تايمز: أزمـ ـة المعارضة تهـ ـز الأسواق وتكشف هـ ـشاشة الاقتصاد التركي أمام المستثمرين

دخل الاقتصاد التركي مرحلة جديدة من التـ ـوتـ ـر والقلـ ـق بعد التداعـ ـيات السياسية والقضـ ـائية التي عصـ ـفت بحزب “الشعب الجمهوري” أكبر أحزاب المعارضة، وسط تحـ ـذيـ ـرات دولية من اتساع هـ ـشاشة الأسواق التركية وفقدان ثقة المستثمرين الأجانب.

وكشفت صحيفة فايننشال تايمز في تقرير تحليلي موسع أن قرار القضاء التركي القاضي بـ”البطلان المطلق” للمؤتمر العام الـ38 لحزب الشعب الجمهوري لم يقتصر تأثيره على الحياة السياسية، بل امتد مباشرة إلى الاقتصاد والأسواق المالية، محدثاً موجة اضطراب جديدة تهدد جهود الحكومة التركية الرامية لاستعادة الاستقرار النقدي وخفض التضخم.

وبحسب التقرير، شهدت الأسواق التركية عمليات بيع واسعة عقب القرار القضائي، حيث تراجعت الأسهم بأكثر من 6% خلال جلسة تداول واحدة، بالتزامن مع ضغوط قوية على الليرة التركية وتحركات متسارعة في سوق الصرف الأجنبي.

وأشار التقرير إلى أن البنوك الحكومية التركية تدخلت بشكل عاجل عبر ضخ ما يقارب 8 مليارات دولار من النقد الأجنبي لدعم العملة المحلية والحد من تراجعها، في خطوة تعكس حجم القلق الرسمي من اتساع حالة الذعر في الأسواق.

وربطت الصحيفة بين التطورات الحالية والأزمة التي شهدتها تركيا سابقاً عقب الملاحقات القضائية المتعلقة برئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، عندما اضطر البنك المركزي التركي إلى استنزاف نحو 50 مليار دولار من احتياطياته ورفع أسعار الفائدة بشكل حاد للسيطرة على انهيار الثقة بالأسواق.

ويأتي التصعيد الأخير بعد قرار محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة عزل قيادة رئيس الحزب الحالي أوزغور أوزيل، وفتح الباب أمام عودة الرئيس السابق للحزب كمال كليجدار أوغلو إلى المشهد السياسي مجدداً، ما فاقم حالة عدم اليقين السياسي داخل البلاد.

وأكدت “فايننشال تايمز” أن المخاطر السياسية المتزايدة باتت عاملاً رئيسياً في إضعاف جاذبية الاقتصاد التركي أمام المستثمرين الدوليين، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن احتمالات انتخابات مبكرة وتجدد الاستقطاب السياسي الحاد.

وفي محاولة لاحتواء التداعيات، سارع وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك إلى عقد اجتماع عاجل للجنة الاستقرار المالي فور عودته من لقاءات مع مستثمرين في لندن، حيث أعلنت اللجنة اتخاذ “خطوات تنسيقية” للحفاظ على الاستقرار المالي واستمرار برنامج خفض التضخم، دون الكشف عن تفاصيل الإجراءات الفعلية.

كما حاول نائب الرئيس التركي جودت يلماز طمأنة المستثمرين بالتأكيد أن الاقتصاد التركي سيواصل النمو، واصفاً الاضطرابات الحالية بأنها “تداعيات مؤقتة”.

لكن مؤسسات مالية دولية أبدت تشاؤماً أكبر حيال المرحلة المقبلة. ونقل التقرير عن خبراء في بنك جي بي مورغان تشيس تحذيرات من أن استمرار التوتر السياسي بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية العالمية قد يدفع مزيداً من رؤوس الأموال الأجنبية إلى مغادرة تركيا، الأمر الذي سيؤدي إلى استنزاف إضافي للاحتياطيات النقدية.

ولفتت الصحيفة إلى أن المستثمرين الأجانب لا يزالون يحتفظون بأصول واستثمارات داخل تركيا تقدر بنحو 63 مليار دولار، تشمل سندات وأسهم وودائع بالليرة التركية، وهو رقم يفوق صافي احتياطيات البنك المركزي التركي باستثناء عقود المقايضة، ما يعكس حساسية الوضع المالي الحالي.

وفي تقييم لافت، قال كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس إن الاقتصاد التركي أصبح أكثر هشاشة أمام الصدمات السياسية مقارنة بالسنوات الماضية، بسبب تراكم الأزمات النقدية وارتفاع الاعتماد على التدفقات المالية الخارجية قصيرة الأجل.

وختمت الصحيفة تقريرها بالتأكيد أن ملفات التضخم، والطاقة، وخروج رؤوس الأموال، وتراجع الاحتياطيات الأجنبية، ستظل أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد التركي خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار التوتر السياسي وتآكل ثقة المستثمرين بالاستقرار الداخلي.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى