“مجلس الشعب” تحت النـ ـار في الحسكة.. انتخابات مفصلة مسبقاً وغـ ـضب ضد التعيين والوصاية السياسية

تتصاعد حالة الجـ ـدل والرفـ ـض الشعبي والسياسي في محافظة الحسكة ومناطق شمال وشرق سوريا، عقب عملية اختيار أعضاء “مجلس الشعب” ضمن المرحلة الانتقالية، وسط اتهـ ـامـ ـات واسعة للحكومة المؤقتة بإدارة العملية وفق آلية “التعيين المسبق” وفرض أسماء محددة سلفاً، في وقت يرى فيه منتقدون أن ما جرى لا يمثل انتخابات حقيقية بقدر ما يعكس إعادة إنتاج لأساليب الهيـ ـمنة السياسية التي طبعت الحياة السياسية السورية لعقود.
وشهدت مدن الحسكة وقامشلو وكوباني اليوم، إجراء عملية اختيار أعضاء مجلس الشعب، ضمن آلية تعتمدها السلطة الانتقالية تجمع بين الاقتراع المحدود والتعيين المباشر من قبل الحكومة، الأمر الذي فتح الباب أمام موجة انتقادات واسعة، خاصة من القوى السياسية الكردية ومرشحين مشاركين في العملية نفسها.
وبحسب النتائج المعلنة، تم اختيار كل من كيم حسين إبراهيم، ورضوان عثمان سيدو، وعبد الحليم خضر العلي، ومحمود ماضي العلي عن دائرة قامشلو، فيما اختير إبراهيم مصطفى العلي، وعمر عيسى هايس، وفصلة يوسف عن دائرة الحسكة، إلى جانب فرهاد أنور شاهين وشواخ إبراهيم العساف عن دائرة كوباني.
وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات أن العملية جرت ضمن مراكز انتخابية محددة، شملت مبنى إدارة محافظة الحسكة، والمركز الثقافي القديم في الحسكة، إضافة إلى المركز الثقافي في مدينة كوباني، مؤكدة أن العملية تهدف إلى استكمال بناء المؤسسات التشريعية خلال المرحلة الانتقالية.
لكن هذه الرواية الرسمية قوبلت سريعاً بحالة غضب واعتراض متصاعدة، خصوصاً بعد تداول تسجيلات وتصريحات تتهم القائمين على العملية بتوجيه الناخبين وفرض قوائم جاهزة مسبقاً.
وفي أبرز الانتقادات، وصف المرشح عن دائرة قامشلو عزام الدندح ما جرى بأنه “مهزلة انتخابية”، مؤكداً في تسجيل مصور أن المشاركين فوجئوا صباح يوم الاقتراع بتوزيع قصاصات ورقية تتضمن أسماء محددة مطلوب التصويت لها، مضيفاً أن “العملية جرت بتوجيه من الهيئة السياسية التابعة للحكومة”.
واتهم الدندح الجهات المنظمة بفرض أسماء متفق عليها مسبقاً، معتبراً أن صناديق الاقتراع استُخدمت كغطاء شكلي لإضفاء شرعية على نتائج جاهزة سلفاً، مشيراً إلى أن بعض الأسماء كانت معروفة قبل بدء التصويت بساعات.
وأضاف أن العملية شهدت تفاوتاً في توقيت دخول الناخبين إلى المراكز، ما أخلّ – بحسب وصفه – بمبدأ تكافؤ الفرص، وفتح المجال أمام توجيه الأصوات لصالح شخصيات محددة.
وخلال حديثه، شبّه الدندح ما جرى بآليات العمل السياسي التي كانت متبعة خلال حقبة حكم حزب البعث، معتبراً أن استخدام القوائم الجاهزة وإدارة التصويت بشكل موجّه يعيد إنتاج “الانتخابات الشكلية” التي عرفتها سوريا لعقود طويلة.
وأكد المرشح عزمه تقديم طعن رسمي بنتائج العملية، مشيراً إلى وجود حالات توجيه مباشر للناخبين من العرب والكرد داخل مراكز الاقتراع.
هذا وسبق أن أصدرت 24 جهة سياسية كوردية بياناً وموقفاً مشتركاً اعتبرت فيها أن العملية الانتخابية تفتقر إلى العدالة والشفافية، ولم تعكس التوازنات الديموغرافية والسياسية الحقيقية في محافظة الحسكة.
ورأت هذه القوى أن تقليص عدد المقاعد المخصصة للكورد يشكل استمراراً لسياسات التهميش والإقصاء، خصوصاً في منطقة يُشكّل الكورد فيها ثقلاً سكانياً وسياسياً أساسياً.
كما أثارت تصريحات متداولة لعدد من الشخصيات السياسية الكوردية مزيداً من الجدل، من بينها تصريحات لفوزة يوسف، عضوة الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، التي تحدثت عن وجود تعيينات مسبقة ضمن العملية، معتبرة أن ما جرى في مراكز الاقتراع لا يعكس الإرادة الحقيقية للناخبين.
ويأتي هذا الجدل في وقت تعتمد فيه السلطة الانتقالية السورية صيغة خاصة لتشكيل “مجلس الشعب”، تقوم على مزيج من الانتخاب المحدود والتعيين المباشر. ووفق المعطيات الرسمية، يبلغ عدد أعضاء المجلس 210 أعضاء، يُعيَّن 70 منهم بشكل مباشر من قبل رئيس الحكومة المؤقتة، فيما يُختار الباقون عبر دوائر انتخابية وهيئات ناخبة محدودة.
ويرى منتقدون أن هذه الصيغة تُضعف أساساً مفهوم التمثيل الشعبي، خاصة مع اقتصار المشاركة على هيئات ناخبة مغلقة وليس على اقتراع شعبي عام، ما يفتح المجال أمام التأثير السياسي المباشر على النتائج.
وفي قامشلو، قالت اللجنة المنظمة إن أكثر من 110 أعضاء شاركوا في التصويت من أصل 207 أعضاء ضمن الهيئة الناخبة، في انتخابات تنافس فيها سبعة مرشحين على أربعة مقاعد فقط، وهي نسبة مشاركة اعتبرها معارضون محدودة وغير كافية لمنح العملية شرعية شعبية حقيقية.
ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار الجدل حول شرعية المؤسسات الجديدة إلى تعميق الانقسامات السياسية والمجتمعية في مناطق شمال وشرق سوريا، خاصة في ظل حساسية ملف التمثيل القومي والسياسي للكورد والعرب والمكونات الأخرى.
كما يرى محللون أن الأزمة الحالية تعكس التحديات الكبرى التي تواجه المرحلة الانتقالية في سوريا، حيث تحاول السلطة الجديدة بناء مؤسسات سياسية وتشريعية وسط بيئة منقسمة ومثقلة بإرث طويل من غياب الثقة بالعملية السياسية.
وفي المقابل، تؤكد الجهات المنظمة أن العملية جرت وفق الآليات المعتمدة في المرحلة الانتقالية، وأن الهدف منها استكمال تشكيل المؤسسات الدستورية والإدارية، تمهيداً لمرحلة أكثر استقراراً وتنظيماً.
إلا أن تصاعد الطعون والاعتراضات السياسية والشعبية يضع العملية برمتها أمام اختبار حقيقي يتعلق بشرعية التمثيل ومدى قدرة المؤسسات الجديدة على اكتساب ثقة الشارع، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإعادة النظر بآليات تشكيل مجلس الشعب وضمان شفافية أوسع وتمثيل أكثر عدالة لجميع المكونات السورية.



