واشنطن تتحرك لإخراج روسيا من سوريا وتخطط لقواعد في الساحل وسط قلق تركي

تشهد الساحة السورية مرحلة شديدة الحساسية من إعادة تشكيل موازين النفوذ الدولي، في ظل تحركات تقودها الولايات المتحدة يُنظر إليها على أنها محاولة لإعادة هندسة الوجود العسكري في البلاد، عبر الدفع باتجاه إخراج روسيا من سوريا وتفكيك قواعدها في الساحل السوري وإخلائها، بالتوازي مع تخطيط واشنطن لإنشاء قواعد عسكرية محدودة في الساحل. وتأتي هذه التطورات ضمن سياق صراع جيوسياسي أوسع في شرق المتوسط، تتداخل فيه المصالح الدولية مع حسابات إقليمية معقدة، يتصدرها القلق التركي من تداعيات أي تغيير في ميزان القوى.
وبحسب تقديرات ومصادر متابعة، تسعى واشنطن إلى الدفع باتجاه إنهاء الوجود العسكري الروسي في سوريا بالكامل، في إطار مقاربة أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل البلاد وتعزيز حضورها في نقاط استراتيجية تطل على البحر المتوسط.
الوجود الروسي: ركيزة استراتيجية في شرق المتوسط
يُنظر إلى الوجود الروسي في الساحل السوري، ولا سيما القواعد البحرية والجوية، باعتباره أحد أهم أدوات موسكو لتعزيز حضورها الإقليمي، لما يوفره من قدرة على التأثير في خطوط الملاحة والتوازنات العسكرية في شرق المتوسط، إلى جانب تثبيت موطئ قدم دائم في “المياه الدافئة”.
وتُعد قاعدة طرطوس البحرية أبرز هذه النقاط، إلى جانب منشآت جوية أخرى، ما يجعل مستقبل هذا الوجود محوراً أساسياً في أي إعادة صياغة للتوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
المقاربة الأمريكية: إنهاء الوجود الروسي مقابل حضور ساحلي محدود
وفق المعطيات المتداولة، لا تقتصر الرؤية الأمريكية على إنهاء الوجود الروسي فحسب، بل تشير إلى أن واشنطن تخطط لإنشاء قواعد عسكرية محدودة على الساحل السوري ضمن مقاربة تهدف إلى تعزيز النفوذ الميداني في شرق المتوسط.
وتسعى هذه التوجهات إلى توسيع قدرة واشنطن على مراقبة الممرات البحرية الاستراتيجية، والحد من أي تمدد روسي محتمل مستقبلاً، في ظل تنافس جيوسياسي متصاعد على الساحة السورية.
الموقف السوري: توازن استراتيجي مع موسكو
ترى الحكومة السورية أن تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع روسيا يشكّل عنصر توازن وردع في مواجهة النفوذ الغربي والتحالفات القائمة في شرق المتوسط، لاسيما في ظل ما توفره قاعدة طرطوس البحرية من حضور عسكري دائم لموسكو، إلى جانب اتفاقيات التعاون في مجالات النفط والغاز التي تمنح روسيا مصالح استراتيجية راسخة داخل سوريا، ما يجعل هذا التحالف أحد أهم ركائز الاستقرار السياسي والعسكري بالنسبة لدمشق في المرحلة الحالية.
البعد الإقليمي: تركيا بين القلق وإعادة التموضع
على المستوى الإقليمي، تنظر تركيا بقلق متزايد إلى أي احتمال لانسحاب أو إنهاء الوجود الروسي من الساحل السوري، إذ ترى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى اختلال في توازن القوى وفتح المجال أمام توسع النفوذ الأمريكي و الإسرائيلي عسكرياً و استخباراتياً في المناطق القريبة من مجالها الأمني الحيوي.
وتتضاعف هذه المخاوف نظراً لارتباط الساحل السوري بالعمق الأمني التركي، سواء عبر تداخله مع ملفات الشمال السوري، أو انعكاساته المحتملة على مناطق النفوذ في إدلب وريف حلب، فضلاً عن تأثيره على معادلات الأمن البحري وشرق المتوسط وملفات الطاقة والغاز.
وفي ظل هذه التقديرات، يُرجح أن تدفع أي تحولات محتملة أنقرة إلى إعادة تموضعها وتعزيز حضورها الأمني في الساحل السوري، لملء أي فراغ محتمل.
تشير مجمل المعطيات إلى أن سوريا تدخل مرحلة دقيقة من إعادة توزيع النفوذ الدولي، حيث تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والروسية والإقليمية في مساحة جيوسياسية شديدة الحساسية، وسط سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين إنهاء الوجود الروسي بالكامل وتخطيط أمريكي لإنشاء حضور عسكري على الساحل، في إطار صراع ممتد على مفاصل استراتيجية في شرق المتوسط.



