منبع النفط نحو العتمة.. قرار الحكومة الانتقالية بوقف المازوت الخدمي يهـ ـدد كهرباء الجزيرة السورية

في وقت تتولى فيه الحكومة السورية الانتقالية إدارة قطاع المحروقات والحقول النفطية في منطقة الجزيرة السورية، جاء قرار وقف توريد المازوت الخدمي لمولدات الكهرباء والأمبيرات في محافظة الحسكة، ليضع سكان المنطقة أمام أزمـ ـة معيشية جديدة، ويثير تساؤلات واسعة حول جدوى السياسات الحكومية في إدارة الموارد المحلية، ومدى مراعاتها لخصوصية المنطقة واحتياجات سكانها.

ومنذ صباح أمس، توقفت مادة المازوت الخدمي في محافظة الحسكة، عقب انتقال إدارة قطاع المحروقات إلى المؤسسات التابعة للحكومة الانتقالية، في خطوة قالت الجهات المعنية إنها تأتي في إطار إعادة تنظيم قطاع المحروقات وتوحيد أسعار المازوت بين المحافظات.

لكن هذا التبرير يفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل يمكن تطبيق سياسة سعر موحد على منطقة تعتمد بشكل واسع على المولدات الخاصة، من دون توفير بديل قادر على تحمل أعباء السكان الاقتصادية؟

الجزيرة تنتج النفط.. وسكانها يواجهون أزمة الكهرباء

وتزداد المفارقة وضوحاً عند النظر إلى طبيعة المنطقة نفسها. فالجزيرة السورية، ولا سيما محافظة الحسكة، تعد من أبرز مناطق إنتاج النفط في سوريا، ومع ذلك يعتمد جزء كبير من سكانها على مولدات الكهرباء الخاصة لتأمين ساعات إضافية من التيار الكهربائي في ظل عدم توفير بديل كهربائي من قبل الحكومة الانقتالية.

وكانت الإدارة الذاتية توفر المازوت الخدمي لمولدات الأمبيرات بسعر رمزي يبلغ نحو 125 ليرة سورية قديمة للتر، ما ساهم في إبقاء أسعار الاشتراكات ضمن مستويات يستطيع السكان تحملها، رغم الصعوبات الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية.

أما بعد وقف الدعم، فأصبح أصحاب المولدات أمام خيارين: إيقاف مولداتهم، وبالتالي حرمان آلاف السكان من مصدر أساسي للكهرباء، أو شراء الوقود بأسعار أعلى بكثير، وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على قيمة الأمبيرات.

وبحسب المعطيات المتداولة، كان صاحب المولدة يبيع الأمبير بنحو 15 ألف ليرة سورية قديمة مقابل تشغيل يصل إلى ثماني ساعات يومياً. ومع ارتفاع كلفة الوقود، فإن الحفاظ على ساعات التشغيل نفسها سيعني رفع سعر الاشتراك بصورة كبيرة، بما قد يدفع السعر إلى مستويات تقترب من 16 دولاراً للأمبير وفق التقديرات الواردة، وهو ارتفاع يضع الكهرباء خارج قدرة شريحة واسعة من السكان.

توحيد السعر أم توحيد المعاناة؟

وتقول الحكومة إن وقف المازوت الخدمي مرتبط بالتوجه نحو توحيد سعر المازوت في جميع المحافظات. غير أن الانتقاد الأساسي لهذا القرار لا يتعلق من حيث المبدأ بفكرة توحيد الأسعار، وإنما بطريقة تطبيقها والظروف التي تحيط بها.

فمنطقة الجزيرة ليست كغيرها من المناطق السورية من حيث طبيعة قطاع الطاقة. وهي منطقة تنتج النفط، وتعتمد قطاعات واسعة فيها على الوقود المحلي، كما أن ضعف الشبكة الكهربائية الرسمية جعل المولدات الخاصة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية.

وبالتالي، فإن الانتقال المفاجئ من سعر مدعوم إلى سعر أعلى بكثير، من دون إعلان واضح عن بدائل أو آليات تعويض أو خطة لتأمين الكهرباء، قد يحول قراراً إدارياً متعلقاً بأسعار المحروقات إلى أزمة معيشية واسعة.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تعني وحدة الدولة بالضرورة توحيد الأسعار والآليات من دون مراعاة الفوارق الاقتصادية والخدمية بين المحافظات؟

ثلاثة آلاف متر مكعب يومياً توفقت

ووفق مسؤول في قطاع المحروقات بالحسكة، كانت المحافظة تحصل يومياً على نحو ثلاثة آلاف متر مكعب من النفط الخام، يجري تكريرها عبر حراقات ومصافٍ محلية بدائية، قبل أن يتوقف منح النفط الخام للمصافي المحلية.

وكانت الكميات المكررة تستخدم لتوفير المازوت الخدمي لقطاعات متعددة، بينها مولدات الكهرباء والأفران ووسائل النقل العام والآليات وبعض الخدمات الأساسية.

وهنا تتجاوز القضية مسألة المازوت بالنسبة للأمبيرات؛ إذ إن توقف هذه المادة قد ينعكس على سلسلة كاملة من الخدمات، تبدأ بالكهرباء ولا تنتهي بالنقل والأفران والمياه وأسعار السلع.

فالكهرباء تؤثر في تشغيل محطات ضخ المياه، والمياه تحتاج إلى الوقود لضمان استمرار عمليات الضخ والنقل، كما أن ارتفاع تكلفة النقل ينعكس سريعاً على أسعار المواد الغذائية والبضائع في الأسواق.

بمعنى آخر، فإن أزمة الوقود قد لا تبقى أزمة وقود، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة خدمات وأسعار ومعيشة.

النفط يرتفع.. لكن كلفة الحياة ترتفع معه

وتزداد حساسية القرار مع الحديث عن إنتاج النفط في المنطقة. وتشير المعطيات الواردة إلى أن الإنتاج النفطي في الجزيرة يصل إلى نحو 100 ألف برميل يومياً، مع توقعات بارتفاع الإنتاج بعد الاتفاق الذي أبرمته الشركة السورية للبترول مع شركة أميركية.

وعليه فأن منطقة الجزيرة تنتج جزءاً مهماً من الثروة النفطية السورية، ولكنها لا تستطيع تأمين وقود كهربائها بأسعار تناسب سكانها.

وهذه المفارقة بدأت تتحول إلى مصدر استياء اجتماعي، خصوصاً أن السكان باتوا يشعرون بأن انتقال إدارة الحقول النفطية إلى مؤسسات الحكومة لم يترافق مع تحسن في الكهرباء أو الوقود أو الخدمات، بل جاء في بدايته بإلغاء آلية دعم كانت قائمة سابقاً.

ولا يتعلق الأمر هنا بمن يمتلك الحقول النفطية أو من يديرها فحسب، وإنما بكيفية توزيع آثار الثروة على السكان. فالسؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: إذا كانت الجزيرة هي أحد مصادر الثروة النفطية، فمتى يلمس سكانها عائدات هذه الثروة في حياتهم اليومية؟

الكهرباء أول الضحايا

وتعد مولدات الأمبيرات في مناطق واسعة من سوريا بديلاً اضطرارياً عن الكهرباء الحكومية، وليست خدمة رفاهية. ولذلك فإن أي ارتفاع حاد في تكلفة تشغيلها سينعكس مباشرة على الأسر.

فالأسرة التي كانت تدفع مبلغاً محدوداً لتأمين عدة ساعات من الكهرباء يومياً ستجد نفسها أمام فاتورة أعلى، بينما تعاني شريحة كبيرة من السكان أصلاً من انخفاض الدخول وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والنقل.

كما أن أصحاب المولدات أنفسهم ليسوا المستفيدين الوحيدين من القرار؛ فهم أمام ارتفاع في تكلفة الوقود والصيانة والتشغيل، ما يجعل رفع الأسعار بالنسبة إليهم خياراً اضطرارياً في حال أرادوا الاستمرار.

وفي المقابل، قد يؤدي ارتفاع سعر الأمبير إلى دفع بعض السكان إلى تقليص الاشتراك أو الاستغناء عنه، ما يهدد باستمرار دورة اقتصادية وخدمية هشة أصلاً.

المياه والنقل والخبز.. أزمة تتوسع

ولا تتوقف تداعيات القرار عند الكهرباء. فالمازوت المستخدم في النقل والآليات وقطاعات الخدمات يمثل عاملاً أساسياً في حركة الحياة الاقتصادية.

وارتفاع أسعار الوقود يعني ارتفاع كلفة نقل الأشخاص والبضائع، وبالتالي زيادة أسعار المواد في الأسواق، خصوصاً أن محافظة الحسكة تعتمد على حركة نقل مستمرة لتأمين المواد الأساسية من مناطق أخرى.

كما أن قطاع المياه قد يتأثر بصورة غير مباشرة إذا ارتفعت كلفة تشغيل المضخات أو نقل المياه، في وقت تعاني فيه مناطق من الجزيرة أصلاً من مشكلات تتعلق بتأمين المياه.

أما الأفران، فإن ارتفاع تكلفة الوقود يمكن أن يضيف أعباء جديدة إلى قطاع الخبز، وهو من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة إلى السكان.

وهكذا، يمكن أن يتحول وقف المازوت الخدمي من قرار يخص قطاع المحروقات إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة على الكهرباء والمياه والنقل والخبز والأسعار.

الاندماج الإداري لا ينبغي أن يعني إلغاء ما كان قائماً

ويأتي القرار في سياق انتقال إدارة قطاعات مختلفة في شمال وشرق سوريا إلى مؤسسات الحكومة الانتقالية، ضمن عملية الاندماج مع مؤسسات الدولة.

ومن حيث المبدأ، فإن توحيد مؤسسات الدولة وإدارة الموارد وفق سياسة وطنية واحدة يمكن أن يشكل خطوة باتجاه إنهاء حالة الانقسام الإداري والاقتصادي.

ولكن نجاح هذه العملية لا يقاس فقط بانتقال الموظفين والمؤسسات والحقول من جهة إلى أخرى، وإنما بما ينتج عنها على مستوى حياة المواطنين.

فإذا أدى الانتقال الإداري إلى اختفاء دعم أساسي كان يصل إلى السكان، من دون إنشاء بديل، فإن المواطن لن ينظر إلى الأمر باعتباره إصلاح إداري، بل باعتباره تراجعاً في مستوى الخدمة التي يحصل عليها.

ومن هنا، فإن الحكومة الانتقالية مطالبة بتقديم إجابات واضحة حول مستقبل المازوت الخدمي، وآلية تسعير الوقود في الجزيرة، ومصير إنتاج النفط، وحصة المحافظة من مواردها، والخطة الحكومية لتأمين الكهرباء والخدمات الأساسية.

هل تبدأ الحكومة من المواطن أم من الإيرادات؟

الانتقاد الأكبر الذي يواجه القرار يتمثل في أنه يبدو، وفق المعطيات المتاحة، وكأنه يبدأ من إعادة تنظيم الإيرادات والأسعار قبل معالجة واقع الخدمات.

فالمنطقة التي تعاني من ضعف الكهرباء لا تستطيع الانتقال بصورة مفاجئة إلى وقود مرتفع التكلفة من دون أن تكون هناك شبكة كهرباء عامة قادرة على تأمين بديل.

كما أن توحيد السعر لا يمكن أن يكون هدفاً بحد ذاته إذا أدى إلى مضاعفة تكلفة الخدمات الأساسية في منطقة ذات قدرة شرائية محدودة.

وكان يمكن للحكومة، بدلاً من الإلغاء الكامل، اعتماد مرحلة انتقالية، أو دعم موجه لمولدات الكهرباء، أو تسعير خاص للقطاعات الحيوية، أو ربط أسعار الوقود بتحسن إنتاج الكهرباء الحكومية.

أما نقل السعر مباشرة إلى مستوى مرتفع، فإن نتيجته المتوقعة ستكون انتقال العبء من خزينة الدولة إلى جيوب المواطنين.

الجزيرة أمام اختبار جديد

وتواجه الحكومة الانتقالية اليوم اختباراً حقيقياً في طريقة إدارتها للموارد النفطية والخدمات في الجزيرة السورية. فالنجاح لا يعني فقط السيطرة الإدارية على الحقول النفطية أو توحيد المؤسسات، وإنما القدرة على تحويل موارد المنطقة إلى خدمات يشعر بها سكانها.

أما أن تنتج المنطقة النفط، ثم يتوقف الوقود المدعوم الذي يشغل مولدات كهربائها، وترتفع كلفة النقل والخدمات، ويجد المواطن نفسه أمام أسعار أعلى، فهذه معادلة يصعب تبريرها شعبياً، حتى لو كان القرار يستند إلى اعتبارات مالية أو إدارية.

فالجزيرة لا تطالب بأن تكون دولة داخل الدولة، لكنها في المقابل لا ينبغي أن تتحول إلى منطقة تنتج النفط بينما يعيش سكانها تحت وطأة العتمة وغلاء الخدمات.

وفي ظل غياب توضيحات حكومية تفصيلية حول البدائل، يبقى السؤال الأهم: إذا كانت الحكومة الانتقالية تريد توحيد إدارة النفط والمحروقات، فهل لديها خطة موازية لضمان ألا يدفع سكان الجزيرة وحدهم ثمن هذا التوحيد؟

لأن توحيد الإدارة من دون تحسين الخدمات قد يكون مجرد تغيير في الجهة التي تدير الموارد، أما نجاح المرحلة الانتقالية فيُقاس عندما تتحول هذه الموارد إلى كهرباء ووقود ومياه وخدمات، لا عندما تصبح أسعارها موحدة فقط.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى