تحالف دفاعي إسرائيلي-يوناني بـ3 مليارات يورو.. هل تتغير حسابات تركيا في شرق المتوسط؟

في خطوة تعكس تسارع التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان، أبرم البلدان واحدة من أكبر صفقاتهما الدفاعية بقيمة تتجاوز 3 مليارات يورو، لإنشاء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على مواجهة الصواريخ والطائرات والطائرات المسيّرة. وهي صفقة لن تُسعد تركيا على الأرجح، في ظل التنافس المستمر بين أنقرة وأثينا في شرق المتوسط، وما تحمله الشراكة العسكرية المتنامية بين إسرائيل واليونان من تداعيات على التوازنات الأمنية والإقليمية في المنطقة.
أعلنت إسرائيل واليونان توقيع اتفاق دفاعي جديد بقيمة تتجاوز 3 مليارات يورو لإنشاء شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات تحمل اسم “درع أخيل” (Achilles Shield)، في خطوة تعكس تنامي التعاون العسكري بين البلدين.
وقالت وزارة الدفاع الإسرائيلية إن الاتفاق يُعد أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ العلاقات الإسرائيلية-اليونانية، ومن بين أكبر صفقات التصدير العسكري التي أبرمتها إسرائيل.
ويتضمن المشروع إنشاء منظومة دفاع جوي وطنية متكاملة تعتمد على أنظمة إسرائيلية تشمل “مقلاع داود” (David’s Sling) وBARAK MX وSPYDER، إضافة إلى رادارات متطورة ونظام قيادة وتحكم موحد، بهدف مواجهة الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة والطائرات المسيّرة.
وحددت الحكومة اليونانية القيمة الإجمالية للاتفاق بنحو 3.035 مليارات يورو، مشيرة إلى مشاركة 19 شركة يونانية في البرنامج بقيمة تتجاوز 750 مليون يورو، مع خطط لتطوير قاعدة إنتاج محلية قادرة على تصنيع وتصدير بعض مكونات المنظومة مستقبلًا.
وقال وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس إن بلاده ستصبح “أول دولة في الاتحاد الأوروبي تعتمد نظامًا مماثلًا بهذا المستوى من التكامل”، مؤكدًا أن المشروع يشكل جزءًا أساسيًا من خطة تحديث القوات المسلحة اليونانية المعروفة باسم “أجندة 2030”.
ويأتي الاتفاق بعد أشهر من توسع التعاون الدفاعي بين أثينا وتل أبيب، حيث اتفق الجانبان في يناير الماضي على تعزيز الشراكة في مجالات الطائرات المسيّرة والمركبات البحرية غير المأهولة والأمن السيبراني والتدريبات العسكرية وتطوير التكنولوجيا الدفاعية.
وتؤكد اليونان أنها ستكون أول دولة في الاتحاد الأوروبي تدمج عدة منظومات دفاعية إسرائيلية ضمن شبكة وطنية موحدة للحماية من الصواريخ والطائرات والطائرات المسيّرة، في وقت تتجه فيه دول أوروبية أخرى إلى شراء أنظمة إسرائيلية منفردة، مثل منظومة Arrow 3 التي اقتنتها ألمانيا ومنظومة مقلاع داود التي اشترتها فنلندا.
صفقة لن تُسعد تركيا.. ماذا تعني “درع أخيل” لأنقرة؟
رغم عدم إعلان إسرائيل أو اليونان أن الاتفاق يستهدف تركيا بشكل مباشر، فإن صفقة “درع أخيل” لن تُسعد أنقرة على الأرجح، إذ تأتي في ظل التنافس المستمر بين تركيا واليونان في شرق المتوسط والخلافات المتعلقة بالمجال الجوي والحدود البحرية وموارد الطاقة والنفوذ الإقليمي.
وتمنح المنظومة الجديدة اليونان قدرة أكبر على اكتشاف واعتراض مجموعة واسعة من التهديدات الجوية والصاروخية، فيما يمكن لدمج عدة أنظمة إسرائيلية ضمن شبكة قيادة وتحكم موحدة أن يزيد من فاعليتها مقارنة باستخدام كل منظومة بشكل منفصل.
وبالنسبة إلى تركيا، فإن تعزيز شبكة الدفاع الجوي اليونانية يعني رفع مستوى الحماية التي تتمتع بها أثينا ضد الطائرات والمسيّرات والصواريخ، وهو ما قد يزيد كلفة أي مواجهة جوية محتملة ويعقّد الحسابات العسكرية التركية في شرق المتوسط.
ولا تقتصر أهمية الصفقة على منظومات الدفاع الجوي، إذ إن التعاون المتزايد بين أثينا وتل أبيب يشمل أيضًا الطائرات المسيّرة والمركبات البحرية غير المأهولة والأمن السيبراني والتدريبات العسكرية وتطوير التكنولوجيا الدفاعية، ما يعزز الشراكة العسكرية والأمنية بين البلدين.
وفي المقابل، لا تعني الصفقة تلقائيًا حدوث تحول جذري في ميزان القوى لصالح اليونان، إذ تمتلك تركيا بدورها قاعدة صناعية دفاعية واسعة وقدرات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ وأنظمة الحرب الإلكترونية والطيران العسكري.
لكن على المستوى الاستراتيجي، يمكن للصفقة أن تزيد من تعقيد الحسابات العسكرية التركية، خصوصًا مع اتجاه اليونان إلى بناء شبكة دفاعية أكثر تكاملًا بدل الاعتماد على منظومات منفردة.
كما أن دخول التكنولوجيا الإسرائيلية بهذا الحجم إلى منظومة الدفاع اليونانية يضيف بُعدًا جديدًا إلى التوازنات الإقليمية، ويعزز التقارب الأمني بين أثينا وتل أبيب في منطقة تتقاطع فيها مصالح تركيا واليونان وإسرائيل.
وعليه، فإن التأثير الأبرز للصفقة على تركيا قد لا يتمثل في تغيير ميزان القوى بشكل فوري، وإنما في تعزيز القدرات الدفاعية اليونانية ورفع كلفة أي مواجهة محتملة وتعميق الشراكة العسكرية بين أثينا وتل أبيب.
وبهذا المعنى، فإن “درع أخيل” لن يكون مجرد صفقة لشراء منظومات دفاع جوي، بل خطوة نحو بناء شبكة دفاعية يونانية متكاملة تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الإسرائيلية، وهو تطور لن يمر على أنقرة دون حسابات جديدة.



