إسرائيل توسّع نفـ ـوذهـ ـا جنوب سوريا.. توغـ ـلات متواصلة ومفاوضات عاجـ ـزة عن وقـ ـف التصـ ـعيد

رغم استمرار المفاوضات السورية – الإسرائيلية بوساطة أميركية، تتواصل التوغـ ـلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، في مشهد يعكس فجـ ـوة واضحة بين المسار الدبلوماسي والواقع الميداني، ويثير تسـ ـاؤلات حول قدرة المفاوضات الجارية على وقـ ـف التصـ ـعيد ووضـ ـع حـ ـد للوجود العسـ ـكري الإسرائيلي المتزايد في الجنوب السوري.

وشهد ريف القنيطرة، السبت، توغـ ـلاً إسرائيلياً جديداً في قريتي الأصبح والرزانية، تخـ ـللته عمـ ـليات دهـ ـم وتفـ ـتـ ـيش لعدد من المنازل، في وقت تستمر فيه التحـ ـركات العسـ ـكرية الإسرائيلية في مناطق متفرقة من القنيطرة ودرعا وريف دمشق.

تفاوض تحت النار

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين دمشق وتل أبيب، ضمن آلية تنسيق أمني مشتركة تهدف إلى خفض التوتر والتوصل إلى تفاهمات أمنية.

إلا أن استمرار التوغلات يجعل الحديث عن تهدئة فعلية أمراً معقداً، إذ ترى أوساط سياسية أن أي اتفاق أمني لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم يترافق مع انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد.

وتتمسك دمشق، وفق مواقفها المعلنة، بالمسار الدبلوماسي باعتباره الطريق لوقف الهجمات والتوغلات والاعتقالات، مع المطالبة بالعودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024، والالتزام الكامل باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.

تمدد عسكري جنوب سوريا

وتشير المعطيات الواردة إلى أن إسرائيل تجاوزت المنطقة العازلة، وأقامت تسع قواعد عسكرية ثابتة داخل الأراضي السورية، بالتزامن مع استمرار الدوريات والاقتحامات وعمليات التفتيش في مناطق من القنيطرة ودرعا وريف دمشق.

وخلال تموز الماضي، سُجلت 65 عملية توغل، بينما شهدت الأيام الثمانية عشر الأولى من آب 52 توغلاً، في مؤشر على استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي بوتيرة مرتفعة.

كما تحدثت السلطات السورية عن توقيف 147 شخصاً منذ بداية العام، لا يزال 49 منهم قيد الاحتجاز، في إطار العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

ولا تقتصر التداعيات على الجانب العسكري، إذ تترافق بعض التحركات مع ممارسات يقول سكان محليون إنها تهدف إلى الضغط على الأهالي ودفعهم إلى الابتعاد عن مناطقهم، ما يفاقم المخاوف من تغييرات تدريجية في الواقع السكاني والعمراني للمناطق الحدودية.

عقيدة أمنية تتجاوز الحدود

وترى مصادر سياسية سورية أن استمرار العمليات الإسرائيلية يرتبط بعقيدة أمنية تقوم على إقامة أحزمة أمنية داخل الدول التي لا ترتبط مع إسرائيل باتفاقات سلام، وفي مقدمتها سوريا ولبنان.

وبحسب هذا الطرح، فإن إسرائيل تسعى إلى إبقاء مناطق واسعة من الجنوب السوري تحت المراقبة والضغط العسكري، بذريعة منع أي تهديد محتمل لأمنها، في حين ترى دمشق أن هذه السياسة تمثل انتهاكاً مباشراً لسيادتها ووحدة أراضيها.

ويزيد من حدة الخلاف إعلان إسرائيل تمسكها بجبل الشيخ والمناطق التي دخلتها قواتها، وهو ما تعتبره دمشق مؤشراً على نية تكريس وجود عسكري طويل الأمد، وليس مجرد إجراء أمني مؤقت.

واشنطن أمام اختبار صعب

وتبقى الولايات المتحدة الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مسار المفاوضات، خصوصاً أنها تلعب دور الوسيط بين الجانبين وتحاول منع تحول التوتر جنوب سوريا إلى مواجهة أوسع.

لكن استمرار العمليات الإسرائيلية يضع واشنطن أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع ممارسة ضغوط فعالة على إسرائيل لدفعها نحو اتفاق أمني، أم أن الاعتبارات الإسرائيلية ستبقى متقدمة على أهداف الاستقرار الأميركي في سوريا؟

وتبرز هنا فجوة في المصالح؛ فواشنطن تبدو معنية بالحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، خصوصاً في ظل ملفات مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والهجرة غير النظامية وأمن الطاقة وطرق التجارة، بينما تخشى دمشق من أن يؤدي استمرار الضغط العسكري إلى إضعاف مؤسسات الدولة وفرض تنازلات تتجاوز الملف الأمني.

دمشق تتمسك بالحل الدبلوماسي

ورغم التصعيد الميداني، تستمر دمشق في الدفع باتجاه الحل السياسي والتفاوضي، مع التأكيد على ضرورة وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

كما تتمسك سوريا بحقها في بناء جيش وطني قادر على حماية حدودها، وترفض أن تتحول التفاهمات الأمنية إلى قيود دائمة على سيادتها أو قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية.

وفي المقابل، فإن استمرار الاعتقالات والتوغلات وإقامة المواقع العسكرية يجعل هامش الثقة بين الطرفين محدوداً، ويعقد مهمة الوساطة الأميركية.

الجنوب السوري بين التفاوض والوقائع الميدانية

وتكشف التطورات الأخيرة أن المفاوضات لم تنجح حتى الآن في وقف التحركات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، ما يجعل المسار الدبلوماسي أمام تحدٍ كبير يتمثل في تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات ملموسة على الأرض.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع الولايات المتحدة دفع إسرائيل نحو اتفاق يضمن الانسحاب ووقف التوغلات، أم أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي سيفرض واقعاً جديداً يصعب تغييره عبر التفاوض؟

ومع استمرار العمليات الميدانية بالتوازي مع المحادثات، يبدو الجنوب السوري عالقاً بين مسار دبلوماسي يسعى إلى خفض التصعيد وواقع عسكري يتجه، حتى الآن، نحو مزيد من التمدد والتوتر.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى