من 75 إلى آلاف الدولارات.. كيف تحوّل عبور السوريين إلى لبنان إلى سوق للوسـ ـطاء؟

تحوّل السفر من سوريا إلى لبنان، الذي كان لسنوات رحلة قصيرة لا تتطلب إجراءات استثنائية، إلى مسار أكثر تعقيداً وكلفة، مع تشـ ـديد شروط الدخول والإقامة وتنامي دور مكاتب السفر والوسطاء ومعقبي المعاملات على جانبي الحدود.

وفي تقرير نشرته «يورونيوز» في 7 أيلول 2026، كشفت شهادات سائق يعمل على خط سوريا–لبنان، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمـ ـنـ ـية، عن تفاصيل ما وصفه بسوق موازية نشأت حول حركة العبور، في ظل الفجـ ـوة بين المتطلبات الرسمية والصعوبات التي يواجهها المسافر السوري.

وبحسب التقرير، لا تتجاوز الرسوم الرسمية التي يدفعها المسافر في مراكز الأمن العام اللبناني 75 دولاراً، إلا أن التكلفة النهائية قد ترتفع إلى مئات أو آلاف الدولارات، تبعاً لنوع الإقامة ومدتها، نتيجة استعانة المسافرين بمكاتب سياحة ووسطاء لتأمين الوثائق وترتيب إجراءات الدخول.

مكاتب ووسطاء في قلب عملية العبور

ووفق شهادة السائق التي نقلتها «يورونيوز»، تعمل مكاتب سفر في دمشق عبر شبكة من معقبي معاملات وشركاء في بيروت، لتقديم ما تصفه للمسافر بأنه «حل جاهز» لاستكمال شروط الدخول إلى لبنان.

وتتفاوت الأسعار، بحسب الشهادة، من نحو 180 دولاراً لإقامة مدتها 48 ساعة، إلى 260 دولاراً لأسبوع، و400 دولار للإقامة لمدة شهر. أما الإقامة السنوية فتصل كلفتها، وفق المصدر نفسه، إلى نحو 4700 دولار، في حين تبلغ كلفة إقامة الستة أشهر نحو 1500 دولار، رغم توقفها حالياً.

ويقول السائق إن هذه المبالغ لا تمثل بالضرورة الرسوم الرسمية وحدها، مشيراً إلى وجود مبالغ إضافية تُدفع لتسهيل بعض المعاملات وتجاوز عقبات مرتبطة بالوثائق، مثل إثبات حيازة مبلغ نقدي أو تقديم حجز فندقي أو تذكرة سفر جواً.

وتثير هذه المعطيات تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الرسوم الرسمية والتكاليف التي يفرضها الوسطاء، ومدى قدرة المسافر على معرفة ما يدفعه لقاء إجراء حكومي وما يذهب إلى خدمات الوساطة.

السرية شرط للعبور

وتكشف شهادة السائق، بحسب «يورونيوز»، عن اعتماد بعض عمليات العبور على درجة عالية من السرية، إذ يقول إن المسافر يُطلب منه عدم الإشارة أمام عناصر الأمن العام اللبناني إلى أن السائق تولى ترتيب معاملة دخوله، خشية تعرض السائق للتوقيف أو منعه من دخول الأراضي اللبنانية.

كما يوضح أن بعض المسافرين ضمن ما يعرف بـ«الغروب السياحي» يسلمون جوازات سفرهم أو وثائقهم إلى الكفيل أو وكيل الشركة، على أن يستعيدوها عند مغادرة لبنان، في حين يُسمح لمن يحصل على ما يسمى «الوثيقة الحرة» بالاحتفاظ بأوراقه الثبوتية.

وتعكس هذه التفاصيل، وفق التقرير، تعقيداً متزايداً في آليات العبور، بحيث لم يعد المسافر يتعامل مع إجراءات رسمية واضحة فقط، وإنما يجد نفسه أمام شبكة من الوسطاء والخدمات التي أصبحت جزءاً من رحلة الدخول.

114 كيلومتراً تتحول إلى رحلة مكلفة

المفارقة الأبرز أن المسافة بين دمشق وبيروت لا تتجاوز نحو 114 كيلومتراً، لكن الرحلة باتت، وفق التقرير، أكثر كلفة وتعقيداً مما توحي به المسافة.

ويقول السائق إن أجرة السيارة من دمشق إلى بيروت تبلغ نحو 100 دولار للاتجاه الواحد، أي قرابة 200 دولار ذهاباً وإياباً، بينما تصل أجرة الرحلة من اللاذقية إلى بيروت إلى نحو 250 دولاراً للاتجاه الواحد.

ويربط السائق ارتفاع تكاليف النقل بإغلاق معبري الدبوسية والعريضة، الأمر الذي يدفع المركبات القادمة من الساحل السوري إلى سلوك طرق أطول عبر حمص والقصير والهرمل ورأس بعلبك وبعلبك وزحلة وشتورة، وصولاً إلى بيروت.

كما يشير إلى أن معبر جسر قمار–البقاع أصبح مخصصاً للمشاة فقط بعد تعرضه للدمار جراء الغارات الإسرائيلية، ما زاد من صعوبة حركة النقل بين المناطق السورية ولبنان.

غرامات إضافية وقيود على الإقامة

ولا تنتهي التكاليف عند الحصول على إذن الدخول، إذ يورد التقرير شهادات عن غرامات تفرض على من يتجاوز مدة الإقامة المسموح بها.

وبحسب السائق، فإن تجاوز مدة الإقامة لمدة شهر، ولو بيوم واحد، قد يؤدي إلى غرامة تبلغ 60 دولاراً والمنع من دخول لبنان لمدة عام، فيما ترتفع الغرامة في حالات مرتبطة بإقامة الستة أشهر إلى نحو 270 دولاراً، مع زيادة المبلغ كلما طال التأخير.

كما يقول إن بعض الفئات التي يُفترض أن تتمتع بتسهيلات، ومنها حاملو البطاقات النقابية أو السجل التجاري من الفئة الأولى وأصحاب بعض التأشيرات الإلكترونية، يدفعون نحو 60 دولاراً تحت بند «بدل خدمات مأجورة»، مع منح مدد إقامة محدودة.

تراجع حركة السفر

ويقول السائق لـ«يورونيوز» إن تشديد الإجراءات انعكس بصورة مباشرة على قطاع النقل، مشيراً إلى أن السائقين باتوا ينفذون رحلات خاصة براكب واحد أو راكبين فقط، نتيجة تراجع حركة السفر وارتفاع تعقيدات العبور.

ويستعيد السائق فترة ما قبل عام 2014، حين كان المواطن السوري، وفق روايته، قادراً على الوصول إلى الحدود وإبراز هويته أو جواز سفره والحصول على إذن دخول لفترة أطول وبإجراءات أقل تعقيداً.

في المقابل، تبرر السلطات اللبنانية تشديد إجراءات الدخول بالحاجة إلى ضبط الحدود، والحد من دخول العمالة غير النظامية، ومنع موجات لجوء جديدة، في ظل حساسية ملفي الحدود والنزوح بين البلدين.

وتطرح الشهادات التي نقلتها «يورونيوز» سؤالاً أوسع حول مستقبل حركة التنقل السورية–اللبنانية: فبينما تبدو المسافة الجغرافية قصيرة، أصبحت كلفة عبورها وإجراءاتها ثقيلة على المواطنين، فيما يجد المسافر نفسه أمام منظومة تضم الرسوم الرسمية ومكاتب السفر والوسطاء ومعقبي المعاملات، في سوق تتسع كلما ازدادت الإجراءات تعقيداً.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى