المحروقات تشـ ـعل الشارع السوري.. قرارات حكومية تدفع الاحتـ ـجاجات إلى قطع الطرق الدولية

تشهد مناطق سورية عدة موجـ ـة احتـ ـجاجات متصاعدة على خلفية قرارات الحكومة الانتقالية المتعلقة برفع أسعار المحروقات، في مشهد يعكس اتساع الفجـ ـوة بين القرارات الاقتصادية الرسمية والقدرة المعيشية للسكان. ولم تعد الزيادة الجديدة مجرد ملف اقتصادي، بل تحولت إلى شـ ـرارة احتـ ـجاجية شـ ـلت طرقاً رئيسية ودولية، وسط تحـ ـذيـ ـرات للأهالي من سـ ـلوك عدد من المحاور حفاظاً على سلامتهم.
وبحسب المعلومات الواردة، انقطع طريق دمشق بشكل كامل، بالتزامن مع دعوات إلى تجنب التوجه نحو العاصمة حتى إشعار آخر، فيما واصل محتجون قطع أوتوستراد حلب–دمشق، الأمر الذي تسبب بتعطيل حركة المرور على أحد أهم الشرايين البرية في البلاد. وفي ريف الرقة، امتدت الاحتجاجات إلى طريق الرقة–تل أبيض، حيث أقدم محتجون على إغلاقه اعتراضاً على رفع أسعار المحروقات وما يرتبط به من أعباء معيشية متزايدة.
زيادة جديدة في الأسعار.. والشارع يرد
وجاءت الاحتجاجات عقب إصدار لجنة تسعير المشتقات النفطية نشرة جديدة فجر 13 أيلول، رفعت بموجبها أسعار عدد من المواد الأساسية. وحددت اللجنة سعر بنزين 95 عند 195 ليرة سورية للتر، وبنزين 90 عند 185 ليرة، والمازوت عند 175 ليرة، فيما بلغ سعر الغاز المنزلي 1600 ليرة والغاز الصناعي 2560 ليرة، إضافة إلى تحديد سعر طن الفيول بـ52 ألفاً و800 ليرة.
وتكشف مقارنة الأسعار الجديدة بحزمة الزيادات التي أقرت مطلع أيلول عن تسارع واضح في وتيرة رفع أسعار الطاقة؛ إذ كان بنزين 95 عند 152 ليرة، وبنزين 90 عند 147 ليرة، والمازوت عند 125 ليرة، والغاز المنزلي عند 1470 ليرة، والصناعي عند 2350 ليرة.
وبذلك لا يواجه المواطن زيادة منفردة، وإنما موجة متلاحقة من ارتفاع تكاليف الطاقة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتبقى الأجور وفرص العمل دون مستوى يسمح بامتصاص هذه الزيادات.
الحكومة تبرر بالتسعير.. والمواطن يدفع الثمن
وكان وزير الطاقة محمد البشير أصدر في 23 حزيران القرار رقم 844 لعام 2026، الذي نص على تشكيل لجنة دائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، تضم ممثلين عن جهات حكومية ومؤسسات معنية.
وتتولى اللجنة دراسة الأسعار وفق مجموعة من العوامل المحلية والدولية، بينها الأسعار العالمية والتكاليف وسعر صرف الليرة السورية وآليات الدعم، إضافة إلى تحديث الأسعار بصورة دورية.
غير أن هذه الآلية، التي تبدو من الناحية الإدارية مرتبطة بحسابات السوق والتكاليف، تصطدم عملياً بسؤال أكثر إلحاحاً: هل تتحمل الأسر السورية تبعات هذه السياسات الاقتصادية؟
فالقدرة الشرائية لا ترتفع بالتوازي مع أسعار الوقود، وأي زيادة في المحروقات لا تتوقف عند محطة الوقود، بل تنتقل سريعاً إلى النقل والشحن وأسعار الغذاء والمواد الأساسية والخدمات، فضلاً عن تكاليف الزراعة والصناعة والبناء.
ومن هنا، فإن اعتبار المحروقات سلعة يجري تعديل سعرها وفق المعطيات الاقتصادية وحدها يتجاهل طبيعتها في الاقتصاد السوري، حيث يشكل الوقود مدخلاً أساسياً لعدد واسع من القطاعات، ما يجعل رفع سعره بمثابة زيادة غير مباشرة في تكلفة الحياة اليومية للمواطن.
الحسكة.. نموذج آخر لتداعيات رفع الدعم
ولا تقتصر تداعيات القرارات المتعلقة بالمحروقات على المناطق التي شهدت قطع الطرق. ففي محافظة الحسكة، يتواصل منذ أكثر من عشرة أيام توقف دعم المحروقات الذي كان معمولاً به خلال فترة الإدارة الذاتية، ولا سيما للقطاعات الخدمية، وبينها المولدات والمخابز ووسائل النقل.
وتكتسب هذه التطورات حساسية خاصة في منطقة تعتمد قطاعات واسعة من سكانها على المحروقات لتأمين الخدمات الأساسية. وبالتالي فإن رفع كلفة الوقود أو إلغاء الدعم لا ينعكس فقط على مالك السيارة، بل يصل إلى الكهرباء التي توفرها المولدات، وأجور النقل، وأسعار الخبز، وتكاليف الإنتاج والخدمات.
وهكذا تتحول سياسة المحروقات من قرار مالي إلى قضية اجتماعية وسياسية تمس تفاصيل الحياة اليومية، خصوصاً عندما لا ترافقها إجراءات موازية لحماية ذوي الدخل المحدود أو ضبط الأسواق ومنع انتقال الزيادة بصورة مضاعفة إلى أسعار السلع.
غضب متراكم وليس احتجاجاً على الوقود فقط
ورغم أن رفع أسعار المحروقات كان الشرارة المباشرة للاحتجاجات الأخيرة، فإن المعطيات الواردة تشير إلى أن الغضب الشعبي يتغذى من تراكم أزمات أوسع، بينها ارتفاع الرسوم الجمركية، وأسعار الخبز ومواد البناء، وتراجع فرص العمل، وتدني الأجور، إلى جانب مطالب تتعلق بالمحاسبة عن الانتهاكات والجرائم وتحسين الواقع الخدمي والمعيشي.
وهذا يعني أن التعامل مع الاحتجاجات باعتبارها مجرد رد فعل على نشرة أسعار جديدة قد يقلل من حجم المشكلة. فالشارع، وفق الصورة التي ترسمها هذه التحركات، لا يعترض على رقم محدد بقدر ما يعبر عن شعور متزايد بأن القرارات الحكومية تُتخذ من أعلى من دون مراعاة كافية لتأثيراتها المباشرة على حياة السكان.
كما أن وصول الاحتجاجات إلى الطرق الدولية والرئيسية يمثل مؤشراً على ارتفاع مستوى الاحتقان، بعدما انتقل الغضب من الاعتراض الفردي على الأسعار إلى تحرك جماعي قادر على تعطيل حركة النقل بين المحافظات.
قرارات اقتصادية بلا شبكة أمان.. إلى أين؟
المشكلة الأكثر إثارة للقلق ليست في رفع الأسعار بحد ذاته، بل في تزامن الزيادات مع غياب واضح لشبكة أمان اقتصادية قادرة على حماية المواطنين من آثارها. فعندما ترتفع تكلفة الوقود بصورة متتالية، من دون تحسن موازٍ في الأجور والخدمات وفرص العمل، يصبح القرار الاقتصادي عاملاً إضافياً في توسيع دائرة الفقر والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية.
كما أن انتقال الغضب إلى الشارع وقطع الطرق يضع الحكومة الانتقالية أمام اختبار سياسي يتجاوز ملف المحروقات: هل ستتعامل مع الاحتجاجات باعتبارها مشكلة أمنية يجب احتواؤها، أم باعتبارها رسالة اجتماعية وسياسية تستوجب مراجعة السياسات التي دفعت السكان إلى الاحتجاج؟
فالاحتجاجات، بحسب ما أورده المرصد السوري لحقوق الإنسان، تعكس حجم الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها السكان، مع الدعوة إلى معالجة أسباب الاحتقان وفتح قنوات حوار مسؤولة مع المحتجين، وضمان حقهم في التعبير والاحتجاج السلمي، بالتوازي مع الحفاظ على سلامة المدنيين وحركة المرور.
وفي المحصلة، تكشف أزمة المحروقات عن خلل أعمق في العلاقة بين القرار الاقتصادي والواقع الاجتماعي. فحين تصبح القرارات التي يفترض أن تنظم السوق سبباً في شل الطرقات وإشعال الغضب الشعبي، فإن المشكلة لم تعد في سعر ليتر البنزين أو المازوت وحده، بل في السياسات التي تدفع المواطنين إلى تحمل فاتورة اقتصادية متصاعدة من دون أن يروا في المقابل تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية.



