اليوم الثاني من الغـ ـضب الشعبي.. رفع المحروقات يشـ ـعل الطرقات ويضع الحكومة أمام اختبار معيشي صعب

دخلت الاحتـ ـجاجات على خلفية رفع أسعار المحروقات في سوريا يومها الثاني، وسط اتساع رقـ ـعة الغـ ـضب الشعبي وامتداده إلى محافظات ومناطق عدة، في مشهد يعكس حجم الضغوط المعيشية التي باتت تثـ ـقل كـ ـاهل السوريين، ويضع الحكومة أمام اختبار جديد لقدرتها على إدارة الملف الاقتصادي من دون تحميل المواطن كلفة الأزمـ ـات المتراكمة.
ففي الحسكة، تجددت الاحتجاجات في الشدادي وتل براك، مع إشعال الإطارات وقطع الطرق، بينما أغلق أهالي تل تمر الطريق الدولي “M4″، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وفي دير الزور، تجددت الاحتجاجات في الشحيل، بالتزامن مع قطع الطريق الدولي بين العراق وسوريا وطريق حقل العمر النفطي، فيما شهدت الرقة قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب.
وامتدت الاحتجاجات إلى إدلب وحلب، حيث أُغلق معبر باب السلامة أمام شاحنات البضائع، بينما استمرت التحركات في مناطق أخرى، في مؤشر على أن القرار لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد تعديل مؤقت في أسعار الوقود، بل كإجراء يمس مباشرة تفاصيل الحياة اليومية للسوريين.
قرار حكومي يفاقم كلفة المعيشة
ورفعت النشرة الجديدة سعر لتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة، والبنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة، وأوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة. ورغم وصف الحكومة الزيادة بأنها مؤقتة، فإن انعكاساتها لا تبدو مؤقتة بالنسبة للمواطن الذي يواجه أصلاً فجوة واسعة بين دخله وتكاليف المعيشة.
وتأتي هذه الزيادة في وقت لم تتمكن فيه زيادات الرواتب السابقة من سد الفجوة المتسعة بين الأجور والأسعار. ويبلغ راتب معظم موظفي الدرجة الأولى نحو 150 دولاراً شهرياً، في حين تحتاج الأسرة الصغيرة إلى نحو 600 دولار لتغطية احتياجاتها، ما يجعل أي زيادة جديدة في تكاليف النقل والطاقة عبئاً إضافياً على مداخيل محدودة أصلاً.
ولا تقتصر المشكلة على سعر الوقود نفسه، إذ إن المحروقات تمثل مدخلاً أساسياً للنقل والزراعة والصناعة وتوليد الكهرباء، ما يعني أن رفع أسعارها مرشح للانتقال سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات، بما فيها المواد الغذائية.
تبريرات رسمية لا تبدد الغضب
وبررت الحكومة القرار بارتفاع تكلفة تأمين المشتقات النفطية عالمياً، بالتزامن مع صيانة مصفاة بانياس، إضافة إلى اضطراب طرق الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وشح المعروض والمخزونات.
لكن هذه التبريرات تصطدم بسؤال أكثر إلحاحاً: لماذا يدفع المواطن مباشرة ثمن هشاشة قطاع الطاقة وضعف جاهزيته؟
فالكشف عن أن الإنتاج النفطي المحلي لا يتجاوز نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تصل إلى نحو 350 ألف برميل، يعكس حجم الفجوة في قطاع الطاقة، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول الخطط الحكومية لتأمين الاحتياجات وبناء قدرة مستقرة على مواجهة الأزمات، بدلاً من اللجوء إلى زيادات سعرية تنعكس فوراً على المواطنين.
كما أن وصول مصفاة بانياس إلى مرحلة تستدعي الصيانة يسلط الضوء على الحاجة إلى معالجة بنيوية طويلة الأمد، لا الاكتفاء بإجراءات سعرية مؤقتة.
“صدمة سعرية” تتجاوز محطات الوقود
ويصف خبراء اقتصاديون القرار بأنه “صدمة سعرية”، متوقعين انتقال آثاره عبر سلسلة التوريد إلى مختلف القطاعات. وتشمل التأثيرات المحتملة ارتفاع أجور النقل والشحن، وتكاليف التصنيع والإنتاج الزراعي والغذاء، إضافة إلى ارتفاع تكلفة الكهرباء المنتجة بواسطة المولدات الخاصة.
وهنا تكمن خطورة القرار؛ فالمواطن لا يدفع الزيادة مرة واحدة عند شراء الوقود، وإنما قد يدفعها مرات متتالية عبر أجور النقل، وأسعار الغذاء، والخدمات، وكلفة الكهرباء وغيرها.
الاحتجاجات تكشف أزمة ثقة معيشية
والأكثر دلالة في الاحتجاجات الحالية هو اتساعها الجغرافي ومشاركة شرائح من المناطق التي كانت تعوّل على تحسن أوضاعها بعد التغيير السياسي. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها مجرد رد فعل على زيادة سعرية قد يحجب جوهر المشكلة، المتمثل في تراجع القدرة الشرائية واستمرار ارتفاع الأسعار مقابل دخول لا تواكب هذا الارتفاع.
كما أن احتجاج موظفين في إدلب للمطالبة بتحسين الرواتب بالتزامن مع احتجاجات المحروقات يقدم صورة أكثر وضوحاً للمأزق: الدخل ثابت، بينما تتسع قائمة النفقات التي تلتهمه.
الحل لا يبدأ من جيب المواطن
ويشير الخبراء أن معالجة الأزمة تحتاج إلى خطة تتجاوز رفع الأسعار، تبدأ بالإسراع في تأهيل مصفاة بانياس وتأمين بدائل أثناء الصيانة، وتنويع مصادر التوريد وطرق النقل، وتشديد الرقابة على الأسعار ومكافحة الاحتكار وحماية الخبز المدعوم.
وعلى المدى المتوسط، تبرز الحاجة إلى بناء مخزون استراتيجي من المشتقات، وإعادة تأهيل حقول النفط، وتوسيع المصافي، وتطوير خطوط الأنابيب ومرافق التخزين، وجذب الاستثمارات وإصلاح شبكة الكهرباء.
فالاحتجاجات الممتدة لليوم الثاني لا تعكس فقط رفضاً لسعر جديد للمازوت والبنزين، بل تكشف حدود قدرة المواطن على تحمّل سياسات اقتصادية تُحمّله كلفة أزمات الطاقة والنقل والإمداد. وإذا كانت الحكومة تعتبر الزيادة مؤقتة، فإن آثارها على الأسعار والقدرة الشرائية قد تكون أطول بكثير من مدة القرار نفسه.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى سياسة طاقة واضحة وشفافة تحمي المواطنين من الصدمات السعرية، بدلاً من نقل أعباء الاختلالات البنيوية في قطاع الطاقة مباشرة إلى الأسر السورية المنهكة.



