انفـ ـجـ ـارات مستودعات السـ ـلاح في سوريا.. فرضيات تتراوح بين التـ ـخـ ـريـ ـب وسـ ـوء التخزين والاخـ ـتـ ـراق
تثـ ـير سلسلة الانفـ ـجـ ـارات التي طالت مستودعات ومواقع لتـ ـخـ ـزين الأسـ ـلـ ـحة والـ ـذخـ ـائر في سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تسـ ـاؤلات متزايدة حول أسـ ـباب تكرارها، خصوصاً أن بعضها وقـ ـع في منشآت عسـ ـكـ ـرية تحتوي على ذخـ ـائـ ـر قديمة ومخـ ـلـ ـفات حـ ـر..ب، فيما بقيت ملابـ ـسات عدد من الحـ ـوادث مجـ ـهـ ـولة حتى الآن.
وجاء انفـ ـجار مستودع للـ ـذخـ ـيرة في منطقة العيس بريف حلب الجنوبي، فجر الاثنين، ليضيف حـ ـادثة جديدة إلى سلسلة بدأت منذ مطلع أيلول، في وقت أعلنت فيه وزارة الدفاع فتح تحقـ ـيق في أسـ ـباب الانفـ ـجـ ـارات التي شهدتها مواقـ ـع عسـ ـكرية، مؤكدة أن نتائج التحقـ ـيق ستحدد المسـ ـؤوليات والإجراءات اللازمة لمنـ ـع تكرارها. وأسـ ـفر انفـ ـجـ ـار العيس عن إصـ ـابة أربعة أشخاص، فيما استمرت الانفـ ـجـ ـارات داخل الموقـ ـع لفترة، وأجريت عمـ ـليات إجـ ـلاء للسكان القريبين منه.
ويكتسب تكرار هذه الحوادث أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع نطاقها الجغرافي. فقد شهدت سوريا خلال أيلول انفجارات في مناطق متباعدة، بينها ريف إدلب ودير الزور وريف دمشق وريف حلب، فيما تشير بيانات نقلتها رويترز إلى وقوع ما لا يقل عن 16 انفجاراً مماثلاً في منشآت تخزين عسكرية منذ كانون الأول 2024.
سوء التخزين والذخائر القديمة
إحدى الفرضيات المطروحة تتعلق بطبيعة الذخائر الموجودة داخل هذه المستودعات. فجزء من المخزون يعود إلى سنوات الحرب، وبعضه كان موجوداً في منشآت استخدمتها قوات النظام السابق وحلفاؤه، ما يثير تساؤلات حول حالته الفنية وظروف تخزينه وطرق نقله بين المواقع.
وتشير قراءات عسكرية إلى احتمال وجود ذخائر قديمة أو تالفة فقدت جزءاً من خصائصها الفنية نتيجة طول فترة التخزين أو الظروف غير المناسبة، فضلاً عن إمكانية خلط الذخائر الصالحة بأخرى باتت تحتاج إلى الإتلاف.
وتصبح هذه الفرضية أكثر أهمية عندما تكون المستودعات قد جرى استخدامها خلال سنوات الحرب بصورة متكررة، أو عندما تكون الذخائر قد نُقلت من مواقع مختلفة إلى مستودعات جديدة من دون عمليات فحص وتصنيف فنية كافية.
وكانت تقارير حديثة قد أشارت إلى أن بعض الحوادث السابقة ارتبطت بظروف تخزين سيئة أو ذخائر متضررة، فيما لا تزال أسباب حوادث أخرى غير محسومة.
فرضية العمل التخريبي
وفي المقابل، تبرز فرضية أخرى تتحدث عن احتمال وجود أعمال تخريب متعمدة، خصوصاً مع تكرار الانفجارات خلال فترة زمنية قصيرة واستهداف مواقع تحتوي على كميات كبيرة من الذخائر.
وتستند هذه القراءة إلى التسلسل الزمني للحوادث وتوزعها بين مناطق مختلفة، إلا أن تزامن الانفجارات لا يشكل بحد ذاته دليلاً على وجود جهة واحدة تقف وراءها. ويظل إثبات هذه الفرضية مرتبطاً بنتائج التحقيقات الفنية والأمنية، ولا سيما تحديد نقطة بدء الانفجار، وطبيعته، وما إذا كانت هناك مؤشرات على تدخل خارجي.
وتزداد أهمية هذه الفرضية في المواقع التي تضم مخزونات استراتيجية أو ذخائر كانت موجودة سابقاً ضمن مناطق نفوذ إيراني، إذ قد تجعل طبيعة هذه المواقع منها أهدافاً محتملة لأطراف تسعى إلى منع إعادة استخدام تلك الأسلحة.
إسرائيل ضمن دائرة الاحتمالات
ومن بين الفرضيات المطروحة أيضاً احتمال تورط إسرائيل في بعض هذه الحوادث، على خلفية سعيها المعلن والمتكرر إلى منع نقل أو تخزين أسلحة ترى أنها يمكن أن تشكل تهديداً مستقبلياً.
غير أن ربط الانفجارات مباشرة بضربات إسرائيلية يواجه حتى الآن مشكلة غياب دليل علني حاسم يثبت تنفيذ هجمات جوية أو عمليات استهداف عن بعد في جميع المواقع التي شهدت الانفجارات. ولذلك تبقى هذه الفرضية بحاجة إلى أدلة ميدانية وفنية، مثل طبيعة الأضرار، وبقايا الذخائر المستخدمة، واتجاهات الانفجار أو أي آثار مرتبطة بوسيلة استهداف خارجية.
كما أن طبيعة بعض الحوادث، ولا سيما الانفجارات المتسلسلة داخل المستودعات، يمكن أن تكون ناجمة عن انفجار أولي أدى إلى تفجير ذخائر أخرى، وهو ما يجعل تحديد نقطة البداية أمراً حاسماً في أي تحقيق.
الاختراق الأمني.. احتمال آخر
وتطرح المعطيات كذلك احتمال وجود اختراق أمني داخل بعض المنشآت العسكرية، سواء من خلال تسريب معلومات عن أماكن التخزين أو طبيعة محتوياتها، أو عبر الوصول إلى المواقع بصورة مباشرة.
وتكتسب هذه الفرضية أهمية في مرحلة انتقالية مع وجود جيش غير متجانس متعدد الولاءات والجنسيات، الأمر الذي يجعل إجراءات التدقيق الأمني والسيطرة على المستودعات العسكرية عاملاً أساسياً في منع أي اختراق محتمل.
لكن هذه الفرضية، شأنها شأن فرضية التخريب الخارجي، تحتاج إلى أدلة واضحة قبل اعتمادها تفسيراً للحوادث.
لماذا يصعب حسم السبب؟
وتكمن المشكلة الأساسية في أن انفجار مستودع للذخيرة لا يكشف بالضرورة عن سببه الحقيقي بمجرد وقوعه. فالانفجار الأول يمكن أن يؤدي إلى سلسلة انفجارات لاحقة، ما قد يمحو آثار نقطة البداية ويصعّب التمييز بين حادث عرضي وعمل متعمد.
كما أن وجود ذخائر قديمة ومتنوعة داخل المستودع يزيد تعقيد التحقيق، خصوصاً إذا كانت بعض القذائف أو المتفجرات قد فقدت خصائصها الفنية نتيجة التخزين الطويل.
ولهذا فإن الوصول إلى نتيجة دقيقة يتطلب فحص بقايا الذخائر، وتحديد نقطة الانفجار الأول، ومراجعة سجلات نقل وتخزين الأسلحة، وفحص إجراءات الحراسة والسلامة، والتحقق من الأشخاص الذين كانت لديهم إمكانية الوصول إلى المواقع.
سلسلة متكررة تفرض مراجعة شاملة
ما يجعل القضية تتجاوز حادثاً منفرداً هو تكرار الانفجارات خلال فترة قصيرة. فقد وقع انفجار في مخزن مؤقت للأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا في إدلب في 9 أيلول، وأسفر عن مقتل 14 من عناصر وزارة الدفاع وإصابة آخرين، ثم وقع انفجار في موقع عسكري بمنطقة عياش غرب دير الزور في 18 أيلول أدى إلى مقتل 11 عسكرياً، قبل أن يأتي انفجار العيس في 21 أيلول.
هذا التسلسل يجعل مسألة سلامة المستودعات العسكرية وإدارة الذخائر القديمة قضية تتجاوز الجانب الأمني، لتصبح مرتبطة مباشرة بسلامة العسكريين والمدنيين المقيمين بالقرب من تلك المواقع.
وفي حال أثبتت التحقيقات أن السبب يعود إلى سوء التخزين أو ضعف الإجراءات الفنية، فإن تكرار الحوادث سيشير إلى خلل مؤسسي يحتاج إلى معالجة واسعة تشمل إعادة تقييم المستودعات، وتصنيف الذخائر، وإتلاف المواد غير الصالحة، وتدريب الكوادر المختصة.
أما إذا كشفت التحقيقات عن عمل تخريبي أو اختراق أمني، فستكون القضية مختلفة جذرياً، لأنها ستعني وجود ثغرات في حماية منشآت عسكرية حساسة.
وبين هذين الاحتمالين، تبقى الفرضيات المتعلقة بالتخريب، والاختراق، وسوء التخزين، أو حتى الاستهداف الخارجي، مفتوحة إلى حين صدور نتائج التحقيقات الرسمية. وفي الوقت الراهن، لا توجد معطيات منشورة تكفي للجزم بأن جميع الانفجارات تنتمي إلى سبب واحد، وهو ما يجعل الكشف عن تفاصيل التحقيقات عاملاً حاسماً لفهم ما يجري داخل منظومة تخزين وإدارة الذخائر في سوريا.



