«تركيا.. قوة عسكرية على الورق لم تُختبر في الميدان»

نشر موقع «منتدى الشرق الأوسط» (Middle East Forum)، ضمن قسم Middle East Forum Observer، مقالاً للكاتب والباحث الأميركي مايكل روبن، تناول فيه القدرات العسكرية التركية، متسائلاً عن سبب إحجام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن اختبار هذه القدرات في أزمات إقليمية، ولا سيما في مواجهة تهديدات الحوثيين عند باب المندب.
ويجادل روبن بأن القوة العسكرية التركية تبدو كبيرة على الورق، إلا أن اختبارها في مواجهة عسكرية واسعة قد يكشف فجوة بين الصورة التي تقدمها أنقرة عن قدراتها وبين قدرتها الفعلية على خوض حرب خارج حدودها.
نص مقال الكاتب والباحث الأمريكي مايكل روبن:
يسارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة الشرق الأوسط للتحرك من أجل الرد على سيطرة الحوثيين على المخا، وهي مدينة وميناء صغيران يقعان عند باب المندب، ذلك المضيق الاستراتيجي الذي يتحكم بالوصول إلى البحر الأحمر.
الحوثيون يفتحون باب المندب أمام سباق النفوذ الإقليمي
وتدخل مصر الآن إلى ساحة المنافسة. فبعد إنفاق مليارات الدولارات لضمان بقاء مصر واقفة على قدميها، يبدو أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يريد الآن استرداد عائد استثماراته. وقد يعني ذلك إنشاء قاعدة عسكرية مصرية بالقرب من ينبع، التي تعد أهم محطة لتصدير النفط على البحر الأحمر. والقاهرة، بطبيعة الحال، لديها مصالح أخرى كثيرة في المنطقة، تتجاوز مجرد الاعتماد على المنح والمساعدات السعودية.
كما تبرز على أجندة النقاشات اتفاقية مكة التي دفع بها بن سلمان، وهي اتفاق دفاع مشترك مع السعودية وباكستان وتركيا أُبرمت الشهر الماضي فقط. وبينما حاول بن سلمان إحراج الولايات المتحدة، ملمحاً إلى نهاية المظلة الأمنية الأميركية–السعودية الممتدة منذ 80 عاماً، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت باكستان وتركيا ستتحركان فعلاً للدفاع عن السعودية.
اتفاقية مكة تختبر الالتزام الدفاعي لتركيا وباكستان
وفي وقت تدور فيه نقاشات حول إمكانية إنشاء قاعدة تركية في شمال السعودية، فإن ذلك لا يقدم للرياض مساعدة فعلية في مواجهة الحوثيين. ويعرف بن سلمان أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لا يكترث كثيراً بالسعودية، باستثناء طموحه إلى تدويل مكة والمدينة، وتعزيز الدور التركي في مواجهة إسرائيل.
ورغم أن السعودية تقع مباشرة في مرمى الحوثيين، فإن الأزمة تكشف أيضاً أسطورة القوة العسكرية التركية. فعلى الورق، تبدو تركيا قوية. ولا يرغب قادة الناتو في محاسبة تركيا على احتلال قبرص أو على سلوكها الاستفزازي تجاه اليونان في بحر إيجه وشرق المتوسط، إذ تمتلك تركيا، نظرياً، ثاني أكبر جيش في حلف الناتو.
«الوطن الأزرق».. تمدد تركي واسع وقدرات لم تُختبر في حرب كبرى
وإلى جانب قواتها البرية، ظل أردوغان يروّج منذ فترة طويلة لمفهوم «الوطن الأزرق»، وهو مشروع يقوم على مطالب بحرية وإقليمية، بالتزامن مع توسع كبير في القوة البحرية التركية في البحر الأسود والمتوسط وبحر إيجه.
كما وسعت تركيا حضورها العسكري الخارجي، وأنشأت قواعد عسكرية، ونشرت طائرات، في بعض الحالات، في قبرص المحتلة وسوريا وقطر والصومال. أما قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة، فهي مثيرة للقلق بالفعل.
وبحسب التقارير، طلب بن سلمان مساعدة الولايات المتحدة. ورغم أن الإعلان عن بيع مقاتلات F-35 Joint Strike Fighter سيكون مهماً، فإنه لن يقدم حلاً سريعاً في مواجهة الحوثيين، لأن التدريب والتسليم سيستغرقان سنوات، حتى لو لم يعترض الكونغرس الأميركي على الصفقة.
الصومال.. أكبر انتشار عسكري تركي خارج الحدود
وتوجد أكبر قوة عسكرية تركية خارج البلاد حالياً في الصومال. إذ تعمل أنقرة على إنشاء قاعدة جوية هناك، وتمتلك قاعدة بحرية كبيرة، كما تسيطر على مطار مقديشو الدولي. وخلال السنوات العشر الماضية، دربت تركيا آلاف العناصر من القوات الخاصة الصومالية.
فلماذا لا يستخدم أردوغان البحرية التركية والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة للدفاع عن بن سلمان والمساعدة في إبقاء باب المندب مفتوحاً؟
من تهامة إلى باب المندب.. أردوغان أمام اختبار الإرث العثماني
خلال معظم القرنين السادس عشر والتاسع عشر، حكمت الإمبراطورية العثمانية سواحل تهامة اليمنية، وهي المنطقة الواقعة اليوم تحت الحصار. وبينما يستند أردوغان إلى الإرث العثماني لتبرير الوجود التركي في الصومال، فإنه، بحسب الكاتب، يقرأ التاريخ بصورة خاطئة؛ فالعثمانيون لم يصلوا قط إلى الصومال بالمعنى الحقيقي، وإنما استعمروا منطقة عَدَل في شمال غرب الصومال، ضمن الأراضي التي تُعرف اليوم بأرض الصومال.
والسبب المحتمل لعدم تقديم أردوغان مساعدة ذات معنى هو أن قوة تركيا العسكرية نفسها تقع في منطقة رمادية من حيث قدراتها الفعلية.
التطهير السياسي يضرب بنية الجيش التركي
نعم، تستطيع تركيا أن تدّعي امتلاك قوة عظمى عندما تقصف المزارعين الأكراد العزل، لكن لو كان الجيش التركي قوياً بالفعل، لكان قد حقق شيئاً مختلفاً عن الجمود في مواجهة تمرد كردي مستمر منذ أكثر من 40 عاماً.
أما عمليات التطهير السياسي، التي أدت، من بين أمور أخرى، إلى سجن نحو واحد من كل خمسة طيارين مدربين على قيادة مقاتلات F-16، وإلى استبدال معظم كبار الضباط، فقد جعلت الجيش التركي، وفقاً للكاتب، مجرد قشرة فارغة.
قد يستعرض جنرالات أردوغان قوتهم مثل الطواويس، لكن لا توجد مؤشرات واضحة على احتفاظهم بالقدرة القتالية التي يفترض أن يمتلكها الجيش.
البحرية التركية.. قوة للضغط أم قدرة على خوض حرب حقيقية؟
والبحرية التركية، بحسب الكاتب، وضعها أسوأ من ذلك. فهي قادرة على مضايقة سفن التنقيب عن النفط غير المسلحة، لكنها ليست قادرة على خوض حرب حقيقية. وتكمن قوة تركيا في قدرتها على تجنب كشف فراغ قوتها العسكرية.
وكما ابتكر الفيزيائي إرفين شرودنغر تجربته الفكرية الشهيرة «قطة شرودنغر»، التي تكون فيها القطة داخل صندوق لا يمكن اعتبارها حية أو ميتة إلى أن يقوم مراقب بفتح الصندوق والتحقق من حالتها، فإن أردوغان، بحسب الكاتب، يرأس اليوم «تركيا الشرودنغرية».
فادعاء تركيا امتلاك قدرات عسكرية كبيرة قائم على عدم اختبار هذه القدرات فعلياً.
ويخلص الكاتب إلى أن أردوغان لا يرسل القوات التركية إلى باب المندب لأنه يخشى الهزيمة، ويخشى أكثر من ذلك أن يكتشف العالم أن كل الاستعراضات التي يقدمها ليست سوى خطاب فارغ.



