مقاتلون أفغان إلى سوريا؟ تحركات تركية تفتح باب صراع “سني ـ شيعي” جديد في المنطقة

تشير تقديرات إلى سعي بعض الأطراف، خاصة تركيا، إلى إشعال صراعات طائفية في الشرق الأوسط من جديد وحشد القوى السنية بقيادة تركيا ضد المحور الشيعي، خاصة بعد تداول معلومات عن مساعٍ تركية لنقل مقاتلين أفغان عبر الأراضي التركية إلى سوريا.

تتزايد التساؤلات حول طبيعة التحركات التركية في أفغانستان وانعكاساتها المحتملة على الساحة السورية، عقب الزيارة التي أجراها رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، إبراهيم قالن، إلى العاصمة كابل ومدينة قندهار منتصف أيلول/سبتمبر الجاري، حيث التقى عدداً من كبار مسؤولي حركة طالبان، بينهم رئيس جهاز الاستخبارات الأفغاني عبد الحق وثيق، ووزير الدفاع محمد يعقوب مجاهد، ووزير الداخلية سراج الدين حقاني، إضافة إلى نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر.

وبحسب ما أعلنته مصادر تركية رسمية، تناولت اللقاءات تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين أنقرة وكابل، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية، ومكافحة الإرهاب وتهريب البشر والمخدرات.
إلا أن معلومات أخرى، لم تعلنها أنقرة أو سلطات طالبان بصورة رسمية، تتحدث عن طرح تركي يتعلق بنقل مقاتلين أفغان عبر الأراضي التركية إلى سوريا، في إطار ترتيبات أمنية وعسكرية يُعتقد أنها تتجاوز التعاون الثنائي المعلن بين تركيا وأفغانستان.

معلومات عن مقترح لنقل مقاتلين أفغان إلى سوريا

وفق معلومات منسوبة إلى مصادر مطلعة، فإن قالن طرح خلال زيارته لأفغانستان إمكانية انتقال مجموعات من المقاتلين الأفغان إلى سوريا عبر تركيا، على أن تتولى دولة قطر، بحسب هذه المعلومات، تقديم الدعم المالي وتغطية الرواتب والمصاريف المرتبطة بهذه التشكيلات.

وتكتسب هذه المعلومات أهميتها من كونها تأتي بالتزامن مع اتساع الاتصالات الأمنية التركية في المنطقة، وفي ظل انخراط أنقرة بصورة مباشرة في ملفات تتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية والعسكرية في سوريا.
دير الزور والحدود العراقية ضمن السيناريوهات المطروحة

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن جزءاً من المقاتلين الأفغان قد يجري نشرهم في مناطق من محافظة دير الزور، ولا سيما المناطق القريبة من الحدود العراقية، والتي شهدت خلال الفترة الماضية تحركات واحتجاجات محلية، ضمن النطاق الذي تصفه المصادر بمنطقة النفوذ أو الحزام الأمني التركي بسبب موقعها الجغرافي واتصالها بالممرات البرية الممتدة بين العراق وسوريا.

كما تتحدث المعلومات عن احتمال نشر مجموعات أخرى في مناطق بمحافظة حمص، إضافة إلى مناطق في ريف اللاذقية الشمالي، بهدف تعزيز المواقع والقواعد التركية القريبة من لواء إسكندرون.

أنقرة تبحث عن خاصرة إيران

ويرى مراقبون أن أنقرة لا تنظر إلى أفغانستان كساحة بعيدة عن صراعات الشرق الأوسط، بل كورقة ضغط يمكن استخدامها في مواجهة إيران وحلفائها، وذلك بعد تعثر الرهانات والمشاريع التركية–السعودية الأخيرة في اليمن. فالموقع الجغرافي لأفغانستان وحدودها المباشرة مع إيران يمنح أي تحرك فيها بعداً أمنياً يتجاوز الساحة الأفغانية نفسها.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الرسالة التركية الموجهة إلى طهران واضحة: إذا استمر الدعم الإيراني للحوثيين ولم تُقيَّد تحركاتهم، فقد يجري فتح مسار ضغط جديد على الحدود الشرقية لإيران، عبر استثمار جماعات سنية متشددة أو إعادة تنشيطها بما يضع الأمن الإيراني أمام تحديات جديدة من اتجاه لم يكن في صدارة المواجهة خلال السنوات الماضية.

من مواجهة داعش إلى إعادة تدوير الصراع المذهبي

ولا تتوقف القراءة عند حدود الضغط على إيران، إذ ترى تقديرات أن التحولات الميدانية الجارية قد تمهد لمرحلة مختلفة من الصراع الإقليمي، تقوم على إعادة ترتيب القوى وفق اصطفافات مذهبية. فبعد سنوات من تصدر تنظيم «داعش» المشهد المسلح، وتراجع حضوره في عدد من الساحات، يبرز بحسب هذه الرؤية اتجاه لإعادة تشكيل المشهد عبر أدوات وقوى جديدة.

ويُطرح في هذا السياق احتمال العمل على تجميع قوى سنية ضمن شبكة نفوذ تقودها تركيا، في مواجهة القوى والمحاور الشيعية المرتبطة بإيران. ووفق أصحاب هذا التقدير، فإن بعض التفاهمات والتحالفات الإقليمية، بما فيها «تحالف مكة»، يمكن قراءتها ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب الاصطفافات وتعزيز التعاون بين القوى السنية.

وبذلك، لا تعود المسألة مجرد تحرك تركي في أفغانستان، بل جزءاً من سباق أكبر على إعادة هندسة خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؛ سباق قد يعيد إنتاج خطوط الانقسام المذهبي بأدوات جديدة، ويحوّل ساحات تمتد من أفغانستان إلى اليمن وسوريا والعراق إلى أوراق متداخلة في مواجهة إقليمية مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة.

سوريا.. ساحة محتملة لتداخل المشاريع الإقليمية

إن نقل مقاتلين أفغان إلى سوريا سيضيف بعداً جديداً إلى المشهد الأمني السوري، الذي يشهد أصلاً تداخل أدوار قوى إقليمية ودولية متعددة.

وتبرز هنا أهمية دير الزور بشكل خاص، نظراً إلى موقعها على الحدود العراقية، بينما يمثل الشمال السوري واللاذقية وحمص مناطق أخرى ذات أهمية عسكرية وجغرافية مختلفة.

وقد يؤدي إدخال تشكيلات جديدة ذات خلفية قتالية أجنبية إلى تغيير بعض معادلات الانتشار والقوة على الأرض، خصوصاً إذا ارتبط ذلك بترتيبات مالية وتسليحية وإدارية مستقلة.

إسرائيل وروسيا تراقبان التطورات

وتشير المعلومات المتداولة أيضاً إلى أن إسرائيل تتابع هذه التحركات، فيما تراقب روسيا التطورات المتعلقة بإعادة ترتيب القوى داخل سوريا.

ويأتي ذلك في ظل استمرار اهتمام موسكو بمستقبل وجودها العسكري في سوريا، ومتابعتها للتحولات التي طرأت على بنية القوى العسكرية والسياسية بعد سقوط نظام بشار الأسد، بينما تراقب إسرائيل أي تغير في انتشار القوى المسلحة بالقرب من مناطق نفوذها وحدودها.

ومن شأن وصول أي تشكيلات عسكرية أجنبية جديدة إلى سوريا أن يضيف عاملاً جديداً إلى الحسابات الإسرائيلية والروسية والتركية والإيرانية، فضلاً عن حسابات القوى السورية المحلية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى