اتساع الفجـ ـوة بين السلطة الجديدة في دمشق والشـ ـرعـ ـيين الجـ ـهـ ـاديين..

تكشف القراءات الميدانية والمعلومات الاستخـ ـباراتية الواردة من الداخل السوري عن حالة متصـ ـاعدة من التوتـ ـر والانقـ ـسام العميقيْن داخل أروقة المجموعات المـ ـسلـ ـحة والشـ ـرعـ ـيين السابقين ضمن “هيـ ـئة تحـ ـرير الشام”. وتأتي هذه التطورات في مرحلة مفصلية تعيشها البلاد عقب سقـ ـوط نظـ ـام بشـ ـار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024 وتولي أحمد الشرع (أبـ ـو محـ ـمد الجـ ـولاني) مقاليد السلـ ـطة في دمشق. وفي وقت تتسارع فيه التحـ ـركات والتفاهمات الإقليمية لإعادة رسم خريطة النفـ ـوذ والأمـ ـن على امتداد الشريط الحدودي بين سوريا والعراق، يقف المشهد السوري أمام مرحلة معقدة تتداخل فيها الصـ ـراعات الأيديـ ـولوجية الداخلية بين السلـ ـطة التنفيذية وحلفائها الراديـ ـكالـ ـيين السابقين مع المشاريع الجيوسياسية الإقليمية.
صراع الأيديولوجيا والسلطة.. الراديكاليون يخرجون عن نهج أحمد الشرع
وتشهد المناطق الخاضعة لنفوذ السلطة الجديدة في دمشق موجة تمرد صامتة وأخرى علنية يقودها التيار الجهادي الأكثر راديكالية ضد الخيارات السياسية والاجتماعية للقيادة ممثلة بـ “أحمد الشرع”. وتفيد المعطيات الميدانية بأن العناصر والشرعيين المتطرفين باتوا يستغلون غطاء ومظلة السلطة الحالية للتحرك في أحياء ومجتمعات متعددة في العاصمة والمحافظات السورية، حيث ينشطون في إعادة التعبئة والتنظيم بعيداً عن الخط السياسي والتكيفي الذي تحاول قيادة الشرع تسويقه للداخل والإقليم وللمجتمع الدولي.
وقد شكلت الفعاليات الفنية والثقافية الأخيرة في العاصمة دمشق، وكان أبرزها حفل الفنانة أصالة نصري والتغطية الإعلامية الواسعة لها، نقطة انفجار للخطاب الجهادي المتطرف. فقد شن القياديون والشرعيون الراديكاليون هجوماً حاداً على الحكومة ومؤسساتها، معتبرين هذه الفعاليات انحرافاً عقائدياً ومساساً متعمداً بالتطلعات الإسلامية للمجتمع. ولم يتوقف هذا التوتر عند حدود الفن والثقافة، بل امتد ليطال مسؤولي الإدارة الجدد وعلى رأسهم وزير الثقافة محمد ياسين صالح.
كما شهدت خطب يوم الجمعة في عدة مناطق تصعيداً لفظياً حاداً، تجسد بوضوح في الخطب الهجومية التي ألقاها “الشيخ أبو أحمد الجزائري”، الشرعي السابق في جبهة النصرة في دمشق، إلى جانب التحركات المماثلة التي قادها “شريع الحمصي” في محافظة حمص.
ورداً على هذا الخروج المتزايد عن السيطرة، نفذ جهاز “الأمن العام” التابع للهيئة ولأجهزة السلطة عمليات تعقب واعتقال طالت القيادات الرافضة للنهج الجديد. وكانت قضية احتجاز “الشيخ محمد يغمور” أبرز محطات هذا الصراع الداخلي، بالنظر إلى خصومته التاريخية مع الشرع منذ أيامه في إدلب وفراره سابقاً إلى السعودية، وصولاً إلى عودته الأخيرة إلى حماة واعتقاله خلال أيام قليلة. وقد أدى هذا الاعتقال إلى اندلاع مظاهرات واحتجاجات مطالبة بالإفراج عنه نظمها وقادها “الشيخ أحمد الحموي”، مما يعكس وجود قاعدة شعبية وتنظيمية مناهضة للقيادة الحالية ومحتقنة في أحشائها.
بين ضبط الخطاب واستمرار التيار المتشدد
وتطرح هذه التطورات سؤالاً أوسع حول مصير التيارات والشخصيات التي نشأت داخل البيئة الجهادية خلال السنوات الماضية، ثم وجدت نفسها أمام واقع سياسي جديد يتطلب الانتقال من خطاب التعبئة العسكرية والدينية إلى خطاب إدارة الدولة.
فوجود شخصيات تحمل إرثاً جهادياً داخل المجتمع، حتى عندما لا تكون جزءاً معلناً من مؤسسات الحكم، يعني أن التحول السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى تحول فوري في الأفكار والخطابات. وقد تظهر الخلافات عندما تتعارض قضايا مثل الفن، الحريات الاجتماعية، شكل الدولة أو طبيعة المؤسسات العامة مع التصورات التي يحملها هؤلاء.
اختبار حقيقي أمام حكومة دمشق
وتكشف هذه الوقائع أن التحدي أمام حكومة دمشق لا يتعلق فقط بإدارة مؤسسات الدولة، بل أيضاً بالتعامل مع إرث فكري وتنظيمي تشكل خلال سنوات الحرب. فكلما اتسعت الفجوة بين الخطاب الحكومي والمواقف المتشددة، يصبح التعامل مع الاعتراضات الدينية اختباراً لقدرة المؤسسات على تطبيق القانون بصورة متساوية، وضمان حرية التعبير، وفي الوقت نفسه منع التحريض أو التهديد بالعنف.
أما استمرار الخطابات المتشددة وظهور احتجاجات مرتبطة بشخصيات دينية موقوفة، فيشير إلى أن التيارات الجهادية السابقة لم تختفِ بمجرد انتقال بعض عناصرها أو قياداتها إلى مواقع ضمن المنظومة الجديدة، وإنما ما تزال بعض أفكارها وشبكاتها الاجتماعية حاضرة داخل المجتمع.
وبذلك، فإن ما يجري قد يكون مؤشراً إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكل التيار الجهادي السابق للهيئة: جزء منه انخرط في مؤسسات الدولة، بينما يحاول جزء آخر الحفاظ على خطاب أكثر تشدداً، ما يضع القيادة السياسية أمام معادلة معقدة بين توحيد مؤسسات الحكم وإدارة التباينات الفكرية داخل البيئة التي خرجت منها.
وتظهر المتابعة الدقيقة لهذه التطورات أن الانقسام الحاصل بين الشرعيين القدامى والسلطة الحاكمة برئاسة أحمد الشرع ليس مجرد خلاف عابر حول تفاصيل إدارية، بل هو شروخ أيديولوجية بنيوية عميقة ناجمة عن الاصطدام الحتمي بين الواقع السياسي والدولي المرن الذي يتطلبه إدارة الدولة والنزعة الراديكالية المتصلبة للشرعيين والجهاديين القدامى، خاصة مع نمو الرفض الداخلي للتوجهات الجديدة في دمشق وبقية المحافظات.



