غـ ـلاء المعيشة يخـ ـنق السوريين.. فواتير الكهرباء والغذاء والإيجارات تلتـ ـهم الرواتب

تتسع دائرة الضـ ـغوط المعيشية على السوريين مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والأدوية والمحروقات والإيجارات، بالتزامن مع زيادة أعباء الكهرباء والتعليم، في وقت تبدو فيه الزيادات التي طرأت على الرواتب والأجور عاجـ ـزة عن مجاراة الارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة. وبينما تتحدث الحكومة عن تحسين الدخول، يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام واقع مختلف، إذ سرعان ما تتبدد الزيادة أمام فاتورة الكهرباء، وسلة الغذاء، وتكاليف السكن والنقل والتعليم.
وفي العاصمة دمشق، يعكس حديث مواطن حجم الاستياء المتزايد من الأعباء اليومية، إذ وصف فواتير الكهرباء بأنها “الشعرة التي قسمت ظهر البشر”، في إشارة إلى تحول الفواتير إلى عبء إضافي يضغط على ميزانية الأسرة، بعد أن كانت الأسر تواجه أصلاً ارتفاعاً في أسعار المواد الأساسية والدواء والمحروقات.
الراتب يتبخر قبل نهاية الشهر
المشكلة لا تكمن في ارتفاع سعر سلعة واحدة، بل في تراكم الالتزامات. فالمواطن الذي يحصل على راتب أو دخل ثابت يجد نفسه مطالباً بتغطية الطعام والدواء والكهرباء والمواصلات والسكن، إضافة إلى نفقات أخرى لا يمكن تأجيلها.
وهنا تظهر محدودية الزيادات في الرواتب والأجور، إذ إن رفع الدخل اسماً لا يعني بالضرورة تحسناً فعلياً في القدرة الشرائية. فإذا ارتفعت الأجور بالتزامن مع ارتفاع أكبر في أسعار السلع والخدمات، فإن الزيادة تفقد جزءاً كبيراً من أثرها قبل أن تصل إلى تحسين مستوى معيشة الأسرة.
ويعني ذلك أن السياسة المعيشية لا يمكن اختزالها في زيادة الراتب، بل ترتبط أيضاً بقدرة الحكومة على ضبط الأسعار، وتأمين الخدمات الأساسية بكلفة يمكن للأسر تحملها، وتخفيف الأعباء التي تستنزف الدخل شهرياً.
الكهرباء.. فاتورة جديدة فوق أعباء قديمة
وتأتي فواتير الكهرباء في مقدمة الشكاوى الجديدة، بعدما أصبحت تكلفة الطاقة جزءاً ملموساً من ميزانية الأسرة. ويكشف وصف المواطن لها بأنها “الشعرة التي قسمت ظهر البشر” عن حجم الضغط الذي باتت تمثله الفاتورة بالنسبة إلى عائلات تعاني أصلاً من ارتفاع أسعار الغذاء والدواء والمحروقات.
وهنا يبرز السؤال أمام الحكومة: كيف يمكن مطالبة الأسر بتحمل ارتفاع تكاليف الخدمات، بينما لم ترتفع قدرتها الشرائية بالمستوى نفسه؟
فالمواطن لا يدفع فاتورة واحدة، وإنما يواجه مجموعة من الفواتير والالتزامات التي تتراكم في نهاية الشهر، ما يجعل أي زيادة في تكلفة خدمة أساسية تنعكس مباشرة على الإنفاق على الغذاء أو الصحة أو التعليم.
الإيجارات والتعليم يوسعان دائرة الأزمة
ولا تتوقف الأزمة عند الغذاء والكهرباء، إذ أصبحت الإيجارات المرتفعة مشكلة إضافية للأسر التي لا تملك مسكناً. ومع ارتفاع كلفة السكن، يضطر كثير من المستأجرين إلى تخصيص جزء كبير من دخلهم لتأمين سقف فوق رؤوسهم، على حساب احتياجات أخرى.
ويأتي ذلك بالتزامن مع أعباء العام الدراسي، التي تشمل الأقساط والقرطاسية والملابس والنقل، ما يضيف التزامات جديدة إلى ميزانية الأسرة، خصوصاً للعائلات التي لديها أكثر من طفل في سن الدراسة.
وبذلك تتحول بداية العام الدراسي بالنسبة إلى بعض الأسر من مناسبة تعليمية إلى اختبار مالي جديد، في ظل تعدد النفقات وغياب هامش مالي يسمح بمواجهة الطوارئ.
تحويلات المغتربين.. شبكة أمان خارج قدرة الحكومة
وفي ظل ضعف الدخول وارتفاع النفقات، أصبحت التحويلات المالية من الأقارب المقيمين خارج البلاد مصدر دعم أساسي لعدد من الأسر السورية. هذه الأموال تساعد عائلات على شراء الغذاء والدواء ودفع الإيجارات والفواتير، وتوفر لها هامشاً كان من المفترض أن تؤمنه مداخيل العمل المحلية.
لكن الاعتماد على تحويلات الخارج يكشف في الوقت نفسه جانباً آخر من الأزمة؛ فهناك أسر تمتلك شبكة دعم من أقاربها في الخارج، بينما لا تملك أسر أخرى هذا الخيار، ما يجعلها أكثر عرضة للاستدانة وتقليص الإنفاق على الغذاء والصحة والتعليم.
وهذا يضع تفاوتاً واضحاً بين الأسر، ليس تبعاً للدخل المحلي فقط، وإنما أيضاً تبعاً لوجود مصدر مالي خارجي من عدمه.
المطلوب ليس زيادة الرواتب فقط
وأمام هذا الواقع، تبدو معالجة الأزمة المعيشية بحاجة إلى أكثر من قرارات بزيادة الرواتب والأجور. فالزيادة التي تذهب مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء أو الإيجارات أو الكهرباء والمحروقات لا تحقق للمواطن تحسناً مستداماً في حياته اليومية.
وتواجه الحكومة اختباراً حقيقياً في قدرتها على تحويل الحديث عن تحسين الوضع الاقتصادي إلى إجراءات يشعر المواطن بنتائجها داخل منزله وفي السوق. ويشمل ذلك تخفيف أعباء الفواتير، وضبط الأسواق والأسعار، وتحسين القدرة الشرائية للأجور، وضمان توفر المواد والخدمات الأساسية بأسعار يمكن تحملها.
فالمشكلة، كما تظهر من شهادات المواطنين، لم تعد مرتبطة بارتفاع سعر مادة محددة، بل بتحول مجمل تكاليف الحياة إلى عبء يفوق قدرة شرائح واسعة على الاحتمال.
وبين راتب يتبخر قبل نهاية الشهر، وفواتير كهرباء وإيجارات متزايدة، وأسعار غذاء ودواء ومحروقات تثقل كاهل الأسر، يبقى السؤال الأهم أمام الحكومة: كيف يمكن الحديث عن تحسن اقتصادي إذا كان المواطن لا يزال عاجزاً عن تأمين احتياجاته الأساسية؟



