النساء في سوريا تحت قيود الشرع.. تهميش سياسي وتمييز في المؤسسات العسكرية والأمنية
المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة روكسان محمد: لا تمثيل حقيقياً للنساء في أي قطاع من الحكومة السورية المؤقتة

تواجه النساء في سوريا، وفق تقرير نشره موقع «المونيتور» في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، قيوداً متزايدة على مشاركتهن في المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، بالتزامن مع مساعي أحمد الشرع لترسيخ سلطته وتقديم صورة جديدة عن الحكم في سوريا، في تناقض بين الخطاب الرسمي بشأن تمكين المرأة والإجراءات التي تحدّ من حضورها في مؤسسات الدولة.
وأعدّت التقرير الصحفية أمبرين زمان، مستندةً إلى قرارات حكومية وتصريحات مسؤولين وناشطين وباحثين، إلى جانب مؤشرات تتعلق بتمثيل النساء في المؤسسات السياسية والأمنية، والضغوط الاقتصادية التي تواجهها النساء السوريات.
يسعى الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى الموازنة بين المطالب الغربية بإشراك مختلف فئات المجتمع والضغوط التي يمارسها المتشددون الإسلاميون، في وقت يعمل فيه على ترسيخ سلطته والتخلص من ماضيه الجهادي، وفق تقرير نشره موقع «المونيتور» للصحفية أمبرين زمان.
قيود على التحاق النساء بالمؤسسات الأمنية والعسكرية
فرضت الحكومة السورية المؤقتة، بقيادة أحمد الشرع، في أواخر أيلول/سبتمبر، شروط قبول تمنع النساء من الالتحاق بمعظم البرامج الدراسية في جامعتين حكوميتين جديدتين تركزان على شؤون الدفاع والأمن. وجاء ذلك بعد أيام من حضور السيدة الأولى لطيفة الدروبي ووزير الداخلية أنس خطاب، في 23 أيلول/سبتمبر، حفل تخريج الدفعة الأولى من الشرطيات في أكاديمية الشرطة النسائية بدمشق، عقب إتمامهن برنامجاً تدريبياً استمر ستة أشهر.
ويعكس هذا التناقض التوازن الهش الذي يسعى الشرع إلى تحقيقه، بعد نحو عامين على الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، علماً أن الشرع كان في السابق زعيماً لفرع من تنظيم القاعدة.
مساعي الشرع للحصول على الشرعية الدولية
دفعت مساعي الشرع للحصول على الشرعية الدولية إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه إسلامياً معتدلاً يسعى إلى بناء علاقة وثيقة مع الغرب، وإلى المضي في اتفاق لخفض التصعيد مع إسرائيل، جرى تعليق العمل به لاحقاً.
وفي إشارة إلى ما يُقدَّم باعتباره انفتاحاً منه، سلّم الشرع شخصياً زوجته شهادتها الجامعية في جامعة إدلب في أيلول/سبتمبر من العام الماضي.
وفي أيلول/سبتمبر 2026، عادت الفنانة السورية أصالة نصري إلى دمشق لإحياء حفل نفدت تذاكره بالكامل، رغم حملة منظمة شنّها رجل الدين المصري هاني ذهبي، دعا فيها المتدينين إلى مقاطعة الحفل الذي وصفه بأنه «آثم». كما وقّع عشرات من أتباع التيار السلفي عريضة طالبت بإلغاء الحفل نهائياً.
وعندما تجاهلت الحكومة مطالبه، أرسل ذهبي أتباعه إلى مكان الحفل لمنع الجمهور من الدخول، لكن قوات الأمن الحكومية وقفت في مواجهتهم ومنعتهم من ذلك.
الإعلان الدستوري ودور الفقه الإسلامي
يرى منتقدون أن هذه التحركات ليست سوى استعراضات تهدف إلى تبديد مخاوف الغرب. ويتساءلون عن سبب نص الإعلان الدستوري السوري المؤقت، الذي أصدره الشرع من جانب واحد في آذار/مارس 2025، على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.
ويشير التقرير إلى أن ذلك لا يمثل تغييراً جوهرياً مقارنة بدستور عام 2012 الذي أقرّه بشار الأسد، إذ وصف الإسلام بأنه المصدر «الرئيسي» للتشريع، واشترط، شأنه شأن الوثيقة الحالية، أن يكون رئيس البلاد مسلماً.
وكان الأسد، وهو علوي، يحاول بدوره اتباع نهج براغماتي، لكن محاولاته لتهدئة الغالبية السنية التي عانت الاضطهاد لم تستمر طويلاً.
ويتساءل التقرير عما إذا كان الإسلاميون الساخطون قد يحملون السلاح ضد الشرع أيضاً، معتبراً أن الاحتمالات تبدو ضئيلة في الوقت الراهن، نظراً إلى قدرته على تحييد خصومه بصرف النظر عن توجهاتهم الأيديولوجية.
وكانت معاركه ضد حلفائه الجهاديين السابقين وضد تنظيم «الدولة الإسلامية» من العوامل الرئيسية التي أكسبته ثقة بعض داعميه الغربيين، عندما كان يدير ما أطلق عليه «حكومة الإنقاذ» في محافظة إدلب شمالي سوريا.
ترسيخ السلطة وتهميش النساء
يرى التقرير أن تحركات الشرع ينبغي فهمها من منظور ترسيخ السلطة والحفاظ على بقائه السياسي، أكثر من تفسيرها باعتبارها صراعاً بين العلمانية والتدين.
ففي وزارة التربية، عُيّن موالون للشرع من إدلب، لديهم ميول إسلامية واضحة، في مناصب عليا. ومع ذلك، تشير الصحفية إلى أنها شاهدت، خلال زيارة حديثة للوزارة، امرأة ترتدي بنطال جينز ضيقاً وهي تقدم الشاي للضيوف.
وقال منير فقير، نائب رئيس حركة سوريا الجديدة والناشط المعارض الذي سُجن وتعرض للتعذيب في عهد نظام الأسد، لموقع «المونيتور»:
«الشرع يهتم بأمرين: التخلص من ماضيه المتطرف، لأنه بمثابة حبل يلتف حول عنقه ويمكن للمجتمع الدولي استخدامه ضده. والأمر الثاني هو حكم البلاد حكماً مطلقاً».
ويشير التقرير إلى نمط مشابه في تركيا، حيث نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، المنتمي إلى التيار الإسلامي، في كسب تأييد الحكومات الغربية عند وصوله إلى السلطة للمرة الأولى عام 2002، من خلال انفتاحه على النسويات والليبراليين العلمانيين، قبل أن يدير ظهره لهم بعدما أحكم قبضته على الحكم، الذي يدخل الآن عامه الرابع والعشرين.
النساء أهداف سهلة في مراحل تغيير الأنظمة
قالت مونيكا ماركس، الباحثة في الحركات الإسلامية التي درست تونس عن كثب، إن النساء شكّلن على الدوام، عبر تاريخ الشرق الأوسط الحديث، أهدافاً أولية سهلة للرجال الساعين إلى ترسيخ السلطة، ولا سيما خلال فترات تغيير الأنظمة والاضطرابات، حين تحشد القوى القومية العربية المحافظة والإسلامية جهودها لتعزيز الوحدة الثقافية العربية الإسلامية بعد فترات من الصراع.
وتشعر الكرديات اللواتي قاتلن تنظيم «الدولة الإسلامية» بشجاعة تحت راية وحدات حماية المرأة (YPJ) بالتمييز، سواء لكونهن غير عربيات أو لكونهن نساء.
ووفق التقرير، رفض الشرع مطالب وحدات حماية المرأة بالاندماج في الجيش العربي السوري إلى جانب آلاف المقاتلين الرجال من قوات سوريا الديمقراطية، التي يشير التقرير إلى أنها حُلّت، وأبلغ المقاتلات بإمكانية الانضمام بدلاً من ذلك إلى وحدات مكافحة الإرهاب التابعة لوزارة الداخلية.
وقالت روكسن محمد، المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة (YPJ):
«لا يوجد تمثيل حقيقي للنساء في أي قطاع من قطاعات الحكومة السورية المؤقتة. ويجري تهميش أدوار النساء، والتشكيك في قدراتهن ومؤهلاتهن، وفرض قيود قائمة على النوع الاجتماعي عليهن، ما يحرمهن من القدرة على ممارسة حقوقهن».
وأضافت “إن إقصاء النساء يقوّض التقدم والديمقراطية والعدالة والمساواة، وهي قيم تعتمد على مشاركة النساء بوصفهن شريكات حقيقيات في بنائها، مؤكدةً أن هذا الوضع يثير قلقاً بالغاً.”
تمثيل محدود للنساء في البرلمان والحكومة
على الرغم من الوعود بإشراك مختلف فئات المجتمع، لا تشغل النساء سوى 22 مقعداً في البرلمان السوري المؤلف من 206 أعضاء.
ولا تضم الحكومة، المؤلفة من 23 وزيراً، سوى امرأة واحدة، هي هند قبوات، وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل. ويشير التقرير إلى أنها أيضاً العضو المسيحي الوحيد في الحكومة.
وقالت روكسن محمد لموقع «المونيتور» إن إقصاء النساء يقوّض التقدم والديمقراطية والعدالة والمساواة، وهي أمور تعتمد جميعها على النساء بوصفهن شريكات حقيقيات في بنائها، مضيفة أن ذلك يثير قلقاً بالغاً.
وتتفق منظمات حقوق الإنسان الدولية مع هذه المخاوف. وقالت هبة زيادين، كبيرة مستشاري الشأن السوري في منظمة هيومن رايتس ووتش، تعليقاً على القواعد التي تقيّد التحاق النساء بالجامعات الجديدة:
«السلطات السورية تعيد بناء الجيش من دون النساء».
ويرى كثير من الكرد أن إنشاء أكاديمية الشرطة النسائية ليس سوى مناورة محسوبة تهدف إلى إقناع العالم الخارجي بأن النساء لا يتعرضن للتمييز، بصرف النظر عن انتمائهن العرقي.
لكن بالنسبة إلى المتشددين الإسلاميين، فإن مشهد نساء مسلمات يسرن بخطوات عسكرية منتظمة وهن يحملن البنادق يُعدّ تجديفاً وانتهاكاً للمقدسات، حتى لو كانت جميع خريجات الدفعة الأولى يغطين شعورهن، وإن لم يغطين وجوههن.
انتقادات دينية للحكومة
قال الداعية السوري البارز فؤاد نعل لموقع «المونيتور»، بإنجليزية طليقة تعلمها بنفسه خلال 21 عاماً قضاها في سجون الأسد:
«حكومتنا لطيفة جداً، ورئيسنا لطيف جداً. إنهم لا يطبقون ما يكفي من الإسلام في الحكومة بسبب الضغوط الغربية. إنهم براغماتيون للغاية».
وفي شباط/فبراير، عقدت وزارة الأوقاف، المسؤولة عن الإشراف على أنشطة المساجد والأوقاف الدينية وغيرها من جوانب الممارسة الدينية لدى المسلمين السنة، اجتماعاً شارك فيه نحو 1500 رجل دين، وأطلقت ما أُطلق عليه اسم «ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي».
وكان الهدف المعلن للمبادرة تعزيز الحوار وإيجاد مساحة تتيح للعلماء المسلمين من مختلف الاتجاهات مناقشة أفكارهم بصورة سلمية، لكن المبادرة تُفهم، قبل كل شيء، على أنها أداة لتعزيز سيطرة الدولة.
تجربة فؤاد نعل وحدود انتقاد الشرع
تكشف تجربة نعل خلال الأشهر الاثنين والعشرين الماضية عن جوانب من نهج الشرع. فقد كان الشيخ يقود يومياً مئات السجناء في الصلاة داخل جناحه في السجن، وقال مستذكراً تلك الفترة: «كان حراس السجن ينضمون إلينا أحياناً».
وبعد سقوط نظام الأسد، كُلّف نعل من قبل الحكومة الجديدة بإلقاء خطبة شهرية في أحد المساجد، لكن هذا الترتيب لم يستمر طويلاً.
وقال نعل، بابتسامة امتزج فيها الأسف بالسخرية: «لم يريدوا مني أن أقف على المنبر وأنتقد أحمد الشرع».
وعندما سُئل عمّا قاله، أجاب بأنه انتقده بعبارات عامة، مضيفاً: «بخلاف ذلك، الشرع هو أفضل رجل لهذه المرحلة. لا أعتقد أنه فاسد».
أما شكواه الرئيسية، شأنه شأن كثيرين تعرضوا للاضطهاد في عهد الأسد، فتتمثل في بطء إجراءات العدالة الانتقالية. وقال: «لا أريد أن تبدأ الشوارع بالغليان بسبب المطالب بتحقيق العدالة».
ويرى التقرير أن شعور نعل بالحرية الكافية للتعبير عن هذه الأفكار أمام صحفية أجنبية يضع الشرع في موقع مختلف بوضوح عن الدكتاتورية التي سبقته، لكنه يطرح تساؤلاً بشأن ما إذا كان سيحافظ على هذا القدر من التسامح عندما يضمن إحكام قبضته على البلاد.
وقال منير فقير: «في الوقت الراهن، لا يستطيع إسكاتنا».
الأزمة الاقتصادية وتراجع الأمل
مثل كثيرين، يعتقد فقير أن أكبر تحدٍّ يواجه سلطة الشرع يتمثل في استمرار هشاشة الاقتصاد، على الرغم من رفع العقوبات الدولية.
واندلعت أكبر الاحتجاجات منذ الإطاحة بالأسد في الشهر الماضي، بعدما رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب وصلت إلى 40%.
ولا تلوح مؤشرات كثيرة على تحسن الأوضاع، في ظل تباطؤ اقتصادي عالمي تفاقم بفعل الصراع مع إيران، فيما تتزايد قناعة السوريين العاديين بأن مجموعة محدودة من الأشخاص المرتبطين بالشرع تستفيد من مكاسب السلطة، بالتزامن مع تزايد الاتهامات بالفساد.
وقال فقير: «يتراجع الأمل لدى الناس، لأن الشرع لم يُظهر أنه يبني حكومة حقيقية من أجل الشعب، بل حكومة من أجل نفسه».
الفقر يثقل كاهل النساء
تقدّر الأمم المتحدة أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعاني نحو 66% منهم من الفقر المدقع.
وقالت لمى الجمال، المحامية المتخصصة في قانون الشركات في دمشق، إن النساء لا يخرجن للاحتجاج على التمييز لأنهن «أكثر انشغالاً بكيفية توفير الوجبة التالية لأطفالهن».



