مصرف سورية المركزي يثبّت سعراً لا يعترف به أحد… ويُنذر من يقول الحقيقة
مخلص الناظر: الفجوة بين السعر الرسمي والموازي تتسع.. والدولار قد يلامس 150 ليرة نهاية 2026

قال الدكتور مخلص الناظر، الاقتصادي والأكاديمي ومحلل الاستثمار السوري، والنائب الأول السابق لحاكم مصرف سورية المركزي، إن سوق الصرف في سوريا شهد خلال تشرين الأول اتساعاً في الفجوة بين السعر الرسمي للدولار والسعر المتداول في السوق الموازية، معتبراً أن وصف ما حدث بأنه «تراجع جديد» لليرة غير دقيق، لأن المشكلة الأساسية تكمن في انهيار الصلة بين السعر الذي يعلنه المصرف المركزي والسعر الذي يتعامل به المواطنون والأسواق.
وأوضح الناظر، في تحليل اقتصادي تناول فيه تطورات سعر الصرف خلال الشهر، أن مصرف سورية المركزي وجّه في 10 تشرين الأول 755 إنذاراً إلى مكاتب صرافة غير مرخصة، فيما بلغ سعر الدولار في 12 تشرين الأول نحو 143 ليرة، مشيراً إلى أن الليرة لم تنهَر خلال الشهر، وإنما تراجعت الثقة بالسعر الرسمي إلى حد بات معه رقماً ثابتاً لا يتعامل به أحد تقريباً في السوق.
السعر الرسمي ثابت والموازي يواصل الارتفاع
وبيّن الناظر أن السعر الوسطي الرسمي للدولار بقي طوال تشرين الأول عند 122 ليرة، بواقع 121.50 ليرة للشراء و122.50 ليرة للمبيع، وبهامش حركة لا يتجاوز 2%، دون إجراء أي تعديل على سعر الدولار في نشرات المصرف المركزي منذ مطلع الشهر وحتى 2 تشرين الثاني.
في المقابل، ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية من 138.4 ليرة في الأول من تشرين الأول إلى 143.5 ليرة في نهاية الشهر، بعد قفزة أولى إلى نحو 143 ليرة في 12 تشرين الأول، تراجع على إثرها مؤقتاً إلى 139.75 ليرة يومي 14 و15 من الشهر، قبل أن يعاود الصعود إلى أعلى مستوى خلال الشهر، مسجلاً نحو 144.5 ليرة في تداولات 27 تشرين الأول.
وأشار إلى أن سعر الدولار الموازي ارتفع بنسبة 3.7% خلال شهر واحد، فيما اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي من 13.4% إلى 17.6%، وهي أوسع فجوة بينهما منذ ثلاثة أشهر على الأقل، معتبراً أن ذلك لا يرقى إلى وصف الانهيار، لكنه يمثل مؤشراً واضحاً على تراجع الثقة بالسعر الرسمي.
ثلاثة أسعار للدولار في الأسواق السورية
ولفت الناظر إلى وجود ما وصفه بـ«الدولار الثالث»، الذي لا يظهر في النشرات الرسمية ولا لدى الصرافين، لكنه يُستخدم فعلياً في تسعير السلع، موضحاً أن تقديراته لست سلع في دمشق تشير إلى أن الدولار السلعي يتراوح بين 182 و187 ليرة.
وأضاف أن أسعار السلع في الأسواق تحتسب الدولار بسعر أعلى من سعر الصرافين بنحو 27% إلى 30%، مشيراً إلى أن إدخال الأرز في الحسابات يرفع المتوسط إلى نحو 225 ليرة، بسبب اعتماد سعر أرز مستورد أغلى من المؤشر العالمي.
وبحسب الناظر، فإن سوريا تتعامل حالياً مع ثلاثة أسعار للدولار: 122 ليرة في النشرة الرسمية، و143 ليرة لدى الصرافين، ونحو 185 ليرة في أسعار السلع التي يشتريها المواطنون، فيما لا يعترف المصرف المركزي رسمياً إلا بالسعر الأقل.
755 إنذاراً لمكاتب الصرافة دون تغيير في واقع السوق
وفي تعليقه على إجراءات المصرف المركزي، قال الناظر إن توجيه 755 إنذاراً في يوم واحد لم يمنع ارتفاع الدولار، مشيراً إلى أن السعر الموازي بلغ نحو 143 ليرة بعد 48 ساعة، ولم يبتعد كثيراً عن هذا المستوى حتى نهاية الشهر.
وأكد أن الرقابة على السوق ضرورية ولا يقلل من أهميتها، لكنه اعتبر أن اعتمادها بوصفها الأداة الوحيدة الظاهرة يعالج نتائج المشكلة ويترك أسبابها، موضحاً أن توسع السوق الموازية يرتبط بعدم انعكاس السعر الرسمي للواقع، وأن الإنذارات لا تغير هذه المعادلة.
وأضاف أن الإنذار الذي يحتاجه السوق فعلياً ليس الإنذار رقم 756 لمكتب صرافة آخر، بل إنذاراً موجهاً إلى السعر الرسمي نفسه.
ضغوط اقتصادية متراكمة واتجاه مستمر نحو الارتفاع
ورأى الناظر أن ارتفاع سعر الدولار لم يكن نتيجة تطورات مفاجئة، مشيراً إلى مجموعة من الضغوط التي كانت مؤشراتها واضحة، أبرزها وصول خام برنت إلى أعلى مستوياته منذ أربع سنوات، وطفرة الاستيراد التي ترفع الطلب على الدولار، وعجز في الموازنة بنحو مليار دولار خلال النصف الأول، إضافة إلى صفقات استثمار معلنة لم تتحول بعد إلى تدفقات فعلية.
وأوضح أن أسعار المحروقات لم تُعدّل خلال تشرين الأول، وبالتالي لم تحدث صدمة سعرية جديدة يمكن أن تفسر حركة الدولار، معتبراً أن الضغوط الحالية هيكلية ومتراكمة.
وقارن الناظر بين تطورات أيلول وتشرين الأول، موضحاً أن السعر الرسمي بقي عند 122 ليرة في الشهرين، فيما تراوح السعر الموازي خلال أيلول بين 132 و138.5 ليرة، واتسعت الفجوة من نحو 8% إلى 13.5%، بينما تراوح خلال تشرين الأول بين 138.4 و143.5 ليرة، واتسعت الفجوة من 13.4% إلى 17.6%.
وأضاف أن الدولار الموازي ارتفع بنسبة 4.9% في أيلول و3.7% في تشرين الأول، ما يعني أن وتيرة الارتفاع تباطأت، لكن الاتجاه لم يتغير، فيما بقي الدولار السلعي ضمن النطاق ذاته تقريباً، بمتوسط يقارب 179 ليرة في أيلول ونحو 187 ليرة في تشرين الأول.
واعتبر أن استمرار هذه المؤشرات لشهرين متتاليين لم يعد يسمح بالتعامل مع ما يحدث بوصفه تقلباً عابراً.
المستهلك وأصحاب الدخل بالليرة يتحملون كلفة الفجوة
وحول انعكاسات اتساع الفجوة، حدد الناظر ثلاثة أطراف تتحمل كلفتها، موضحاً أن الحوالات والتجارة تتجه بعيداً عن القنوات الرسمية مع كل نقطة إضافية في الفجوة، ما يؤدي إلى خسارة الجهاز المصرفي تدفقات هو بأمسّ الحاجة إليها.
وأضاف أن المستهلك يتحمل الفارق مباشرة، لأن السعر الموازي هو الذي يحدد أسعار المستوردات، فيما يتضرر أصحاب الدخل بالليرة نتيجة احتساب الأسعار على أساس دولار أعلى من سعر الصرافين بنحو 30%، دون أن تتحرك دخولهم بالسرعة نفسها.
اختبار سعر الدولار حتى منتصف تشرين الثاني
واعتبر الناظر أن الاختبار القادم يتمثل في قدرة الدولار الموازي على البقاء دون 145 ليرة حتى منتصف تشرين الثاني، مع استمرار تثبيت السعر الرسمي عند 122 ليرة.
وأوضح أنه في حال صمود السعر الموازي دون هذا المستوى، ستستقر الفجوة قرب 18%، ليصبح السؤال الأساسي متعلقاً بموعد تحرك السعر الرسمي وليس السعر الموازي، أما إذا لم يصمد، فقد تقترب الفجوة من 20%، وترتفع كلفة تثبيت السعر الرسمي على الجميع.
توقعات الدولار حتى نهاية عام 2026
وفي تقديراته لسعر الصرف خلال الشهرين المقبلين وحتى نهاية عام 2026، قال الناظر إنه اعتمد ثلاث منهجيات بسيطة ومعروفة، وقارن بين نتائجها، مشيراً إلى أن النماذج المعقدة المبنية على بيانات رسمية لا يثق بها السوق لا تقدم فائدة كبيرة في هذه المرحلة.
وتتمثل المنهجية الأولى، وفق الناظر، في نموذج المسار العشوائي مع الانجراف، الذي يستند إلى السعر الحالي مضافاً إليه الاتجاه الأخير. وأوضح أن الدولار الموازي ارتفع بنسبة 4.9% في أيلول و3.7% في تشرين الأول، ما يشير إلى استمرار الزخم مع تباطؤه، مرجحاً أن يصل السعر إلى ما بين 148 و152 ليرة في نهاية كانون الأول، إذا استمر الصعود الشهري ضمن نطاق 1.5% إلى 3%.
أما المنهجية الثانية، فتقوم على سيناريوهات الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، موضحاً أن استمرار تثبيت السعر الرسمي عند 122 ليرة يجعل سعر الموازي مرتبطاً بحجم الفجوة التي يستطيع السوق تحملها؛ إذ تعني فجوة بنسبة 18% وصول الدولار إلى نحو 144 ليرة، وفجوة 20% نحو 146 ليرة، فيما تعني فجوة 25% وصوله إلى نحو 152 ليرة.
وأشار إلى أن الفجوة اتسعت بأكثر من أربع نقاط خلال شهر واحد، معتبراً أن توقع بقائها قرب 18% حتى نهاية العام يفترض توقف هذا الاتساع بصورة مفاجئة، دون أي تغيير في السياسة المتبعة.
وتستند المنهجية الثالثة إلى الدولار السلعي بوصفه مرساة لسعر الصرف، وفق منطق تعادل القوة الشرائية النسبي، الذي يفترض أن يميل سعر الصرف على المدى المتوسط إلى الاقتراب من السعر الضمني في أسعار السلع، والذي يقدره الناظر حالياً بنحو 185 ليرة، موضحاً أن هذا السعر لا يحدد موعد الوصول، لكنه يشير إلى اتجاه الضغط الصعودي على الدولار الموازي، باعتبار أن المرساة أعلى منه بنحو 30%.
ثلاثة سيناريوهات لسعر الدولار في نهاية العام
وبناءً على هذه المنهجيات، وضع الناظر ثلاثة سيناريوهات لسعر الدولار حتى 31 كانون الأول 2026:
السيناريو المتفائل: بين 144 و146 ليرة. ويتحقق في حال تحولت صفقات الاستثمار المعلنة إلى تدفقات فعلية، ما يؤدي إلى استقرار الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي عند مستوى يتراوح بين 18% و20%.
السيناريو الأساسي: بين 148 و152 ليرة. ويستند إلى استمرار الزخم الحالي بوتيرة أبطأ، مع اتساع الفجوة إلى ما بين 21% و25%.
السيناريو المتشائم: بين 155 و158 ليرة. ويقوم على تجدد ارتفاع الدولار بنسبة تتراوح بين 4% و5% شهرياً، بفعل عوامل النفط والاستيراد وعجز الموازنة، ما قد يدفع الفجوة إلى الاقتراب من 30%، ويجعل السعر الموازي قريباً من نطاق الدولار السلعي، ويضع السعر الرسمي أمام صعوبة الاستمرار.
ورجّح الناظر السيناريو الأساسي، الذي يضع سعر الدولار الموازي قرب 150 ليرة مع نهاية العام، مقابل بقاء السعر الرسمي عند 122 ليرة في حال استمرار السياسة الحالية، ما يعني أن نحو ربع قيمة الدولار سيكون خارج السعر الرسمي.
واعتبر أن الإبقاء على سعر 122 ليرة لا يعني استقرار الليرة، بل يمثل تأجيلاً لقرار قد يأتي لاحقاً بكلفة أعلى.
تحفظات على التقديرات
وفي سياق توضيحه للمنهجية، أشار الناظر إلى أن تقدير الدولار السلعي يستند إلى ست سلع وأسعار عالمية لم تصدر نشرتها النهائية بعد، وأن التوقعات المطروحة تمثل سيناريوهات وليست أرقاماً قاطعة.
ولفت إلى أن الدولار الموازي تحرك خلال تشرين الأول وحده بين نحو 138 و144.5 ليرة، ما يستدعي قراءة كل سيناريو ضمن هامش يقارب 2% صعوداً أو هبوطاً، مشيراً إلى أن أي تحرك في السعر الرسمي قبل نهاية العام سيؤدي إلى تغيير الحسابات بالكامل.
وأضاف أن هذه التحفظات لا تغير الصورة العامة، المتمثلة في اتساع الفجوة بين السعرين، ووجود دولار سلعي أعلى من الدولار الموازي بنحو 30%، مقابل استمرار سعر رسمي لا يتعامل به أحد.
الناظر: السعر الذي لا يُشترى به ولا يُباع ليس سعر صرف
وفي ختام تحليله، شدد الناظر على أن السعر الذي لا يُشترى الدولار ولا يُباع على أساسه لا يمكن اعتباره سعر صرف، واصفاً إياه بأنه رقم يُطبع في نشرة يومية لإظهار أن الأمور تحت السيطرة.
وقال إن مصرف سورية المركزي لا يدافع اليوم عن الليرة، بل يدافع عن رقم في نشرته، معتبراً أن المواطن يدفع الفرق عند كل عملية شراء، والمستورد عند كل شحنة، والمغترب عند كل حوالة يرسلها عبر قناة غير رسمية، لأن القناة الرسمية تحتسب له دولاراً غير موجود.
وأضاف أن الإنذارات لا تبني الثقة، والنشرات لا تصنع احتياطياً، وأن التثبيت الذي لا يسنده أحد في السوق لا يمنع التراجع، بل يجعل كلفته أكبر عندما يحدث.
وحذر من أن استمرار السعر الرسمي عند 122 ليرة، بالتزامن مع اتجاه الدولار الموازي نحو 150 ليرة، يحوّل تعديل السعر من قرار مدروس إلى قرار مفروض، ومن خيار يملكه المصرف المركزي إلى نتيجة تفرضها السوق عليه.
وختم الناظر بالقول إن السوق أصدر حكمه خلال تشرين الأول، بسعر بلغ 143 ليرة لدى الصرافين ونحو 185 ليرة وفق أسعار السلع، ويبقى على المصرف المركزي أن يقرر ما إذا كان سيعترف بهذه المعطيات الآن أم ينتظر حتى تفرضها عليه السوق.



