هل تنقلب أمريكا على الشرع؟ تحركات براك تثير تساؤلات حول مستقبل العلاقة مع دمشق

لقاء المبعوث الأمريكي مع شخصيات علوية، وإقراره بعدم اطلاعه على حجم الانتهـ ـاكات في الساحل السوري، بالتزامن مع تحـ ـذيراته بشأن استحالة الاستثمار في سوريا، يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة التحول في الموقف الأمريكي من السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، وما إذا كانت واشنطن تتجه نحو إعادة تقييم دعمها السياسي لها.
في تطور سياسي لافت، أثارت تحركات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين واشنطن والسلطة الانتقالية في دمشق، بعدما عقد لقاءً مع سياسيين وناشطين من المكون العلوي، تناول الأوضاع السياسية والحقوقية في سوريا، والانتهاكات التي تعرض لها أبناء الطائفة العلوية عقب سقوط نظام بشار الأسد.
ويأتي اللقاء في وقت تواجه فيه السلطة الانتقالية تحديات متزايدة على المستويين الداخلي والخارجي، وسط تصاعد الانتقادات المتعلقة بملف الأقليات، والانتقال السياسي، والقدرة على فرض الاستقرار، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي تعيق فرص التعافي وإعادة الإعمار.
وبحسب المعلومات المتداولة حول اللقاء، أبدى براك انفتاحاً على الحوار مع مختلف ممثلي المكون العلوي، سواء المؤيدين للسلطة الانتقالية أو المعارضين لها، في خطوة تعكس اهتماماً أمريكياً بالاستماع إلى وجهات نظر متعددة بشأن مستقبل سوريا، ولا سيما واقع الأقليات ومطالبها السياسية والحقوقية.
انتهاكات الساحل.. اعتراف أمريكي يثير التساؤلات
برز خلال اللقاء حديث براك عن الانتهاكات التي تعرض لها العلويون على أيدي القوات الحكومية خلال أحداث الساحل السوري، حيث كشف أنه لم يكن على دراية بالكثير من التفاصيل المتعلقة بتلك الانتهاكات، معبراً عن تأثره بالقول: «هذا يكسر قلبي».
ويطرح هذا التصريح تساؤلات حول طبيعة المعلومات التي تصل إلى الإدارة الأمريكية بشأن الأوضاع الميدانية في سوريا، ومدى تأثير التقارير الحقوقية والانتهاكات الموثقة على تقييم واشنطن لأداء السلطة الانتقالية.
كما يعيد فتح النقاش حول مسؤولية الحكومة السورية في حماية المدنيين، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ومحاسبة المتورطين، باعتبار هذه الملفات من أبرز الاختبارات التي تواجه السلطة الجديدة في سعيها للحصول على اعتراف دولي أوسع وترسيخ شرعيتها.
وفي هذا السياق، فإن انفتاح براك على شخصيات علوية من اتجاهات سياسية مختلفة قد يشير إلى رغبة أمريكية في توسيع قنوات التواصل مع مكونات المجتمع السوري، وعدم حصر التعامل السياسي في المؤسسات الرسمية أو الأطراف المرتبطة بالسلطة الانتقالية.
تحذيرات اقتصادية.. هل تتحول إلى ضغط سياسي؟
تزامنت هذه التحركات مع تصريحات مثيرة للجدل أطلقها براك بشأن الوضع الاقتصادي في سوريا، إذ اعتبر أن العثور على مستثمر واحد مستعد لدخول السوق السورية يكاد يكون أمراً مستحيلاً، في ظل مجموعة من العقبات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأشار براك إلى أن سوريا لا تزال تواجه تحديات معقدة، تشمل ضعف النظام المصرفي، والعقوبات، وتدهور الإنتاج الاقتصادي، إلى جانب المخاطر الأمنية التي تؤثر في قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية.
كما تطرق إلى قضايا مرتبطة بالأقليات ودمج المقاتلين الأجانب، باعتبارها من الملفات التي تزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي، وتضعف ثقة الشركات والمستثمرين في إمكانية العمل داخل البلاد.
وتعكس هذه التصريحات، في حال استمرارها، حجم الفجوة بين التوقعات الاقتصادية للسلطة الانتقالية والواقع الذي تواجهه سوريا، حيث لا يكفي تغيير النظام السياسي وحده لاستعادة الثقة الدولية، ما لم يترافق مع إصلاحات مؤسساتية وأمنية واقتصادية واضحة.
من دعم الانتقال إلى إعادة تقييم الأداء
منذ سقوط نظام بشار الأسد، اتجهت الولايات المتحدة إلى التعامل مع المرحلة الانتقالية في سوريا باعتبارها فرصة لإعادة تشكيل العلاقة مع دمشق، وربط الانفتاح السياسي والاقتصادي بمسار جديد يتضمن التعاون الأمني، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، وتعزيز الاستقرار.
وكان المبعوث الأمريكي توم براك قد قدم في تصريحات سابقة زيارة الشرع إلى واشنطن ولقاءه الرئيس دونالد ترامب بوصفهما تحولاً في العلاقة بين البلدين، مع التركيز على انتقال سوريا من العزلة إلى الانخراط الدولي.
لكن هذا الانفتاح لم يلغِ التحديات المرتبطة بأداء السلطة الانتقالية، ولا سيما ملفات الأمن، وحماية الأقليات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودمج القوى المسلحة ضمن مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة لقاء براك مع شخصيات علوية، إلى جانب تحذيراته الاقتصادية، باعتبارهما مؤشرين على أن العلاقة الأمريكية السورية لا تزال مرتبطة بتقييم مستمر لأداء السلطة الجديدة، وليس فقط بالوعود السياسية التي قطعتها خلال المرحلة الماضية.
هل بدأت واشنطن مرحلة التخلي عن الشرع؟
يرى مراقبون أن التحركات الأخيرة لبراك قد تعكس بداية مرحلة أكثر حذراً في التعامل الأمريكي مع السلطة الانتقالية، خصوصاً مع تزايد الضغوط المرتبطة بالانتهاكات، والأوضاع الاقتصادية، والتحديات الأمنية.
ويذهب بعضهم إلى أن واشنطن قد تستخدم الملفات الحقوقية والاقتصادية أدوات ضغط على دمشق، بهدف دفعها إلى تقديم ضمانات أكبر بشأن حماية الأقليات، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز الاستقرار.



