بين صمام الأمان ووهـ ـم السيـ ـطرة: ماذا تقول التجربة السورية للحكومة الانتقالية؟

بعد سقـ ـوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة انتقالية مثقلة بالآمال والمخـ ـاوف في آنٍ واحد. فقد بدا لكثير من السوريين أن انهـ ـيار رأس النـ ـظام يعني تلقائياً نهاية الاستـ ـبداد وبداية إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، أكثر عدالة وتشاركية. غير أن الأشهر الأولى من عمر الحكومة الانتقالية كشفت عن معـ ـضلة أعمق من مجرد تغيير الأشخاص: معضلة شكل الحكم ذاته، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهي معـ ـضلة تختصرها اليوم حالتان متداخلتان تحكمان سلـ ـوك السلـ ـطة الجديدة؛ فوبيا الحكم الجماعي، وعقدة البحث عن “صمام أمان” مركزي يحول دون الفـ ـوضى.

منذ اللحظة الأولى لتشكّل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع الذي كان يتزعم سابقاً هيئة تحرير الشام، طغى هاجس السيطرة وضبط المشهد على حساب النقاش الجدي حول إعادة توزيع السلطة. ورغم الخطاب المعلن عن القطيعة مع إرث النظام السابق، فإن البنية السياسية التي أُنتجت حملت في جوهرها خوفاً واضحاً من أي صيغة حكم جماعي أو تشاركي حقيقي، وكأن التجربة السورية لا تحتمل إلا مركزاً واحداً قوياً، ولو تبدلت الوجوه والشعارات.

هذا الخوف ليس جديداً في التاريخ السياسي السوري. فمنذ تأسيس الدولة الحديثة، سادت قناعة لدى النخب الحاكمة بأن التعدد خطر، وأن توزيع السلطة مدخل للتفكك. هذه القناعة، التي غذتها الانقلابات العسكرية والتدخلات الخارجية، تحولت مع الزمن إلى عقيدة حكم، بلغت ذروتها في عهد حزب البعث، حين جرى اختزال الدولة في مركز أمني وسياسي ضيق، وجرى تقديم هذا الاختزال بوصفه “صمام الأمان” الوحيد لوحدة البلاد. لكن التجربة أثبتت أن هذا الصمام لم يمنع الانفجار، بل راكم أسبابه حتى لحظة الانهيار الكبير عام 2011.

المفارقة أن الحكومة الانتقالية، التي يفترض بها تفكيك هذا الإرث، وقعت سريعاً في منطقه. فما سُمي بمؤتمر “النصر” الذي عُقد عقب سقوط النظام، وما تبعه من إعلان دستوري أحادي في آذار 2025، رسّخ صلاحيات واسعة بيد رئيس السلطة الانتقالية، مقابل مؤسسات تمثيلية محدودة الفاعلية. مجلس الشعب، على سبيل المثال، جاء بتشكيلة هجينة، جزء منها مُعيّن مباشرة من قبل أحمد الشرع، وجزء آخر اختير عبر لجان غير منتخبة حدد أعضاءها أيضاً أحمد الشرع، ما أفقده القدرة على لعب دور رقابي أو تشريعي حقيقي. هذا الترتيب لم يكن تفصيلاً إجرائياً؛ بل عكس رؤية سياسية ترى في المشاركة الواسعة مخاطرة، لا ضمانة.

فوبيا الحكم الجماعي تجلت أيضاً في التعامل مع المكونات السورية المختلفة. فبدل أن تُستثمر المرحلة الانتقالية لفتح حوار وطني شامل، جرى اعتماد مقاربة انتقائية في التمثيل، أدت إلى مقاطعة قوى أساسية، كالكورد والدروز والعلويين، للمسار السياسي برمّته. هذا الإقصاء، حتى وإن جرى تبريره بحجج أمنية أو ظرفية، أعاد إنتاج الشعور التاريخي لدى الأطراف بأن المركز لا يزال ينظر إليها بعين الريبة، لا الشراكة.

على الصعيد الأمني، ظهرت عقدة “صمام الأمان” بأوضح صورها. فالحكومة الانتقالية، وهي تواجه واقعاً معقداً من الفصائل المسلحة والتدخلات الإقليمية، اختارت مقاربة تقوم على دمج شكلي للقوى العسكرية، مع الإبقاء على مراكز نفوذ متعددة داخل الجيش الجديد وبشكل خاص الفصائل المرتبطة بتركيا حافظت على قادتها وعديدها واندمجت شكلياً في وزارة الدفاع. وبدل بناء عقيدة وطنية جامعة، طغت الحسابات السياسية والولاءات السابقة، مع إقصاء شبه كامل لضباط ينتمون إلى بيئات محسوبة على النظام السابق، دون مسار واضح للعدالة الانتقالية. هذه المقاربة، التي تهدف ظاهرياً إلى منع عودة “الخطر القديم”، قد تؤدي عملياً إلى خلق أخطار جديدة، عبر إنتاج معارضات أمنية كامنة.

اقتصادياً واجتماعياً، لم تُخفف المركزية المتجددة من حدة الأزمات، بل فاقمتها. فمع أن رفع جزء من العقوبات منح الحكومة هامش حركة أوسع، إلا أن غياب الإدارة المحلية الفاعلة، واستمرار احتكار القرار الاقتصادي في المركز، أعاق الاستجابة لاحتياجات المناطق المختلفة. ومع بقاء أجزاء واسعة من البلاد خارج السيطرة المباشرة للسلطة الانتقالية، بات واضحاً أن إدارة سوريا بعقلية مركزية صارمة لم تعد ممكنة، لا سياسياً ولا عملياً.

لفهم هذا المأزق، لا بد من العودة إلى التجربة الدستورية السورية. فدستور 1920، رغم محدودياته، أقر مبدأ اللامركزية ومنح الولايات صلاحيات واسعة. لكن هذا المسار أُجهض مبكراً بفعل الخوف من التقسيم. أما دستور 1950، فقد جاء كرد فعل معاكس، ألغى عملياً السلطات المحلية، ومهّد الطريق لمركزية متصاعدة انتهت بدولة أمنية مغلقة. هذه الخلفية تفسر لماذا باتت اللامركزية اليوم مطلباً شعبياً متنامياً، لا مشروعاً نخبوياً معزولاً.

التجارب الدولية تقدم دروساً واضحة في هذا السياق. فالدول الخارجة من نزاعات داخلية عميقة، كألمانيا بعد النازية أو سويسرا في بنيتها التعددية، لم تحمِ وحدتها عبر تركيز السلطة، بل عبر توزيعها وضبطها دستورياً. في المقابل، تُظهر نماذج مثل السودان أو ليبيا أن غياب إطار جماعي منضبط للحكم الانتقالي يفتح الباب أمام صراعات لا تنتهي. الفرق الجوهري هنا ليس في وجود مجلس جماعي أو رئيس فرد، بل في وجود قواعد واضحة تمنع احتكار السلطة، وتحوّل الخلاف السياسي إلى تنافس مؤسسي لا صراع صفري.

في الحالة السورية، يبرز خيار الحكم القائم على اللامركزية بوصفه بديلاً عملياً، لا مغامرة سياسية. فالخطر الأكبر الذي يواجه الحكومة الانتقالية اليوم لا يتمثل في تفكك محتمل بفعل اللامركزية، بل في إعادة إنتاج مركزية تخشى المجتمع أكثر مما تثق به. فالمجتمع السوري، بعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد قابلاً للحكم من فوق. الوعي بالحقوق المحلية، وانتشار السلاح، وعمق الجراح، كلها عوامل تجعل من أي محاولة لفرض الاستقرار بالقوة وصفة مؤكدة لفشل مؤجل.

في المحصلة، تقف سوريا أمام اختبار تاريخي حاسم: إما كسر فوبيا الحكم الجماعي، والتخلي عن وهم “صمام الأمان” المركزي، لصالح توزيع مدروس للسلطة، أو الوقوع مجدداً في فخ الاستبداد، ولو بثوب انتقالي. إن الانتقال الحقيقي لا يُقاس بسرعة السيطرة ولا بتركيز القرار، بل بقدرة الدولة على تحويل تنوعها من مصدر خوف إلى مصدر قوة. وما لم تدرك الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع هذه الحقيقة، فإنها تخاطر بأن تكون حلقة جديدة في سلسلة إعادة تدوير الأزمة، بدل أن تكون جسر العبور إلى دولة لكل السوريين.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى