من تسـ ـر..ب مليوني طفل إلى “تأنيث التعليم” وضـ ـر..ب الطلاب.. أي برلمان يمثّل السوريين؟

كشفت جلسة مجلس الشعب السوري التي خصصت لمناقشة واقع التعليم مفـ ـارقة حـ ـادة بين حـ ـجم الأزمـ ـة التي تواجه ملايين الأطفال، وبين بعض الطروحات التي قدمها نواب داخل المجلس. فبينما قدّر وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو عدد المتـ ـسـ ـربين بنحو مليوني طالب، مع توقع وصول عدد الطلاب إلى نحو 6 ملايين خلال العام الدراسي الحالي، انشغل بعض النواب بقـ ـضـ ـايا تتعلق بجـ ـنس المعلمين وإعادة العـ ـقـ ـاب الجـ ـسـ ـدي إلى المدارس.
المفـ ـارقة لا تتعلق فقط بمضمون تلك المداخلات، بل بالسؤال الأوسع: هل تعكس هذه الطروحات الأولويات الفعلية للسوريين بعد سنوات الحـ ـر..ب والانهـ ـيار التعليمي؟
“تأنيث التعليم”.. حين تتحول المعلمة إلى مشكلة
وأثار النائب محمد إبراهيم الزعبي جدلاً واسعاً بعد انتقاده ما وصفه بـ”تأنيث التعليم”، رابطاً ارتفاع نسبة المعلمات والموجهات والمديرات بما اعتبره ضعفاً في شخصية الطلاب، ومطالباً بإفساح المجال أمام الرجال للعودة بصورة أكبر إلى القطاع التعليمي، حتى عبر الاستعانة بمعلمين ذكور متقاعدين.
هذه المقاربة تضع جنس المعلم في مركز تفسير مشكلة تربوية معقدة، من دون أن تقدم، بحسب ما ورد في المداخلة المنشورة، دليلاً يثبت أن وجود المعلمات يؤدي بحد ذاته إلى ضعف شخصية الطلاب.
والأهم أن المرأة السورية كانت جزءاً أساسياً من استمرار العملية التعليمية في ظروف الحرب والنزوح ونقص الكوادر. وبالتالي فإن تحويل حضورها في المدارس إلى مصدر للمشكلة يطرح تساؤلات جدية حول النظرة إلى دور المرأة في الدولة والمجتمع، وحول المعايير التي يفترض أن تحكم اختيار المعلم: الكفاءة والتأهيل والقدرة على التعليم، أم الجنس؟
من التربية إلى “تقنين” الضرب
الجدل الثاني كان أكثر حساسية، بعدما دعا النائب أحمد محمد إسماعيل إلى إعادة السماح بضرب الطلاب داخل المدارس ضمن ضوابط، مستنداً في مداخلته إلى رؤى دينية وتربوية وإلى أحاديث تتعلق بتأديب الأطفال.
لكن وزير التربية رفض المقترح بوضوح، قائلاً إن “الضرب يروّض ولا يربي”، معتبراً اللجوء إليه فشلاً من المعلم والمنظومة التعليمية، ومشيراً إلى حظر الاعتداء الجسدي واللفظي على الطلاب.
وهنا يصبح السؤال أبعد من خلاف بين نائب ووزير: هل المطلوب من المدرسة السورية أن تبني جيلاً قادراً على التفكير والحوار، أم أن تعيد إنتاج علاقة تقوم على الخوف والعقوبة الجسدية؟
فالطفل الذي يدخل المدرسة بعد سنوات من الحرب والفقر والنزوح يحتاج إلى بيئة تعليمية آمنة، لا إلى تحويل العنف إلى أداة تربوية تحت عنوان “التقنين”. كما أن الاستناد إلى قراءة دينية محددة لا يحسم وحده مسألة السياسات التعليمية الحديثة، التي يفترض أن تستند إلى حماية الطفل والمعايير التربوية والقانونية.
مليونا طفل خارج التعليم.. لكن الأولويات تبدو مختلفة
الأرقام التي عرضها وزير التربية تجعل حجم المشكلة أكثر وضوحاً. فالوزارة تتوقع وصول عدد الطلاب إلى نحو 6 ملايين هذا العام، مقارنة بـ5.3 ملايين في العام الماضي، فيما يقدر عدد المتسربين بنحو مليوني طالب، لأسباب اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن نقص المدارس في بعض المناطق.
كما أشار الوزير إلى وجود نحو 339 ألف عامل في الوزارة، وإلى مشكلة في توزيع الكوادر، بينما تعمل الوزارة على إعادة نحو 14 ألف معلم فُصلوا من وظائفهم، وترميم آلاف المدارس وإدخال مدارس جديدة إلى الخدمة.
هذه هي الملفات التي يفترض أن تكون في قلب أي نقاش برلماني جاد: لماذا يترك مليونا طفل مقاعد الدراسة؟ أين المدارس؟ لماذا تعاني مناطق من نقص الكوادر وأخرى من فائضها؟ كيف ستستوعب المدارس ستة ملايين طالب؟ وكيف يمكن معالجة آثار سنوات الحرب على مستوى التعليم؟
وبحسب أرقام عرضها الوزير، أنجزت الوزارة ترميم 3857 مدرسة، بينما يجري العمل على ترميم 704 مدارس أخرى، مع إدخال 212 مدرسة جديدة إلى المنظومة التعليمية.
هل يمثل النواب السوريين؟
السؤال الأكثر حساسية الذي تفرضه هذه الجلسة ليس ما إذا كان نائب أو اثنان قد عبّرا عن رأي مثير للجدل، وإنما كيف يجب أن تُقاس قدرة مجلس الشعب على تمثيل المجتمع ومراقبة السلطة التنفيذية؟
لا يمكن الجزم من مداخلتين بأن المجلس بأكمله يتبنى هذه الأفكار، كما لا يمكن اعتبار تصريحات نائبين دليلاً على مواقف جميع السوريين. لكن من المشروع مساءلة مضمون الخطاب البرلماني نفسه: عندما يكون التعليم السوري أمام أزمة تشمل ملايين المتسربين ونقص البنية التحتية والكوادر، فإن طرح قضايا من قبيل «تأنيث التعليم» أو إعادة الضرب إلى المدارس يستحق نقداً علنياً ومساءلة حول مدى ارتباطه بالأولويات التعليمية الملحة.
فالبرلمان لا يفترض أن يكون مجرد منصة لإطلاق الآراء الشخصية، بل مساحة للرقابة والتشريع ومناقشة السياسات العامة. وقد أكدت تصريحات رسمية عقب الجلسة أن جلسات الاستماع تهدف إلى تعزيز الرقابة والشفافية ومساءلة السلطة التنفيذية.
ومن هنا، فإن اختبار التمثيل البرلماني لا يكون بالشعارات، بل بقدرة النواب على طرح الأسئلة التي تمس حياة السوريين فعلاً، ومحاسبة الحكومة على نتائجها، والدفاع عن حق الأطفال في التعليم الآمن، ومناقشة أسباب التسرب والفقر والدمار ونقص المدارس.
المشكلة ليست في “هيبة” المعلم بل في مستقبل جيل كامل
بعد أكثر من عقد من الحرب، لا يحتاج التعليم السوري إلى معركة جديدة حول ما إذا كان المعلم رجلاً أو امرأة، ولا إلى إعادة تعريف الهيبة المدرسية من خلال الضرب. يحتاج إلى مدارس آمنة، ومعلمين مؤهلين، ومناهج حديثة، وتمويل كافٍ، وعدالة في توزيع الكوادر، وحماية للأطفال، وسياسات تمنع التسرب وتعيد ملايين المنقطعين إلى مقاعد الدراسة.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً أمام مجلس الشعب والحكومة معاً هو: إذا كان مليونا طفل خارج المدارس، فهل الأولوية فعلاً هي جنس المعلم وكيفية ضرب الطالب، أم إنقاذ التعليم السوري من أزمة تهدد مستقبل جيل كامل؟



