أزمـ ـة غاز منزلي: فشـ ـل سياسات السلـ ـطة يُعيد الطـ ـوابير ويفـ ـاقم معـ ـاناة المواطنين

عادت أزمـ ـة الغاز المنزلي إلى الواجهة في سوريا بعد أن شهدت العديد من المحافظات ارتفاعاً قياسياً في الأسعار، إذ تجاوز سعر الأسطوانة 200 ألف ليرة سورية (نحو 18 دولاراً)، وسط شبه انقـ ـطاع كامل للمادة خلال الأيام الماضية. وقد دفعت هذه الأزمـ ـة المواطنين إلى العودة للوقوف في طوابـ ـير طويلة، في مشهد يذكّر بأزمـ ـات السنوات السابقة، في ظل عدم قـ ـدرة السلـ ـطات على تقديم حلول مستدامة.

المواطنون وصفوا الوضع بأنه انعكاس مباشر لسوء إدارة توزيع الغاز، الذي أصبح سلعة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لأغراض الطهي والتدفئة.

أحد الموظفين أشار إلى أن “مشهد البحث عن أسطوانة الغاز يعيدنا مباشرة إلى أيام الأزمات السابقة، مع فارق أن القدرة الشرائية اليوم أقل بكثير”، مؤكداً أن أي ارتفاع جديد يضاعف الأعباء اليومية على الأسر.

أما ربة منزل، فقالت إن نقص الغاز يضطر العائلات إلى تعديل نمط حياتها بالكامل، من الطهي إلى التدفئة، مشيرة إلى أن الحلول المؤقتة التي تقدمها السلطات لا تكفي، وأن الحاجة أصبحت ملحّة إلى استقرار دائم في الإمدادات.

ومن جهة أخرى، أعلن وزير الطاقة عن تجاوز النقص المؤقت بعد استكمال عمليات الربط والضخ المتأخرة بسبب الأحوال الجوية، مع وعود بعودة حركة التوزيع إلى وضعها الطبيعي.

ورغم هذه التصريحات الرسمية، يشير خبراء اقتصاديون إلى أن المشكلة ليست في الإنتاج، بل في ضعف سلسلة التوزيع والبنية اللوجستية، وقلة المخزون الاحتياطي، ما يجعل أي خلل مؤقت يتحوّل فوراً إلى أزمة اجتماعية واقتصادية.

وتُظهر المعطيات أن الإنتاج المحلي الحالي يغطي أقل من نصف الطلب الوطني، حيث يتراوح الاستهلاك اليومي بين 110 و130 ألف أسطوانة، مع ارتفاع الطلب في فصل الشتاء نتيجة الاستخدام المزدوج للغاز في الطهي والتدفئة.

وتتركز الأزمة بشكل أكبر في المدن ذات الكثافة السكانية العالية مثل دمشق وحلب، حيث يزداد الضغط على السوق، وتنتشر المضاربات وارتفاع الأسعار في السوق غير النظامية.

ويشير رئيس جمعية معتمدي الغاز إلى أن وصول الغاز إلى السوق كان محدوداً، مع نقص في وحدات التعبئة، ما أدى إلى استمرار النقص لدى المستهلكين، خصوصاً في ريف دمشق، الذي لم يحصل على الغاز لأكثر من أسبوعين. وقد ازدادت الفجوة بين السعر الرسمي المدعوم وسعر السوق السوداء، ما يعكس هشاشة السياسات الحكومية، وغياب الرقابة الكافية على الاحتكار والمضاربات.

ويؤكد الخبراء أن استمرار هذه الأزمات يفاقم الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، ويجعلها عرضة للتقلبات الحادة في الأسعار، بينما تظل السلطة غير قادرة على توفير حلول استراتيجية طويلة الأمد.

ويضيف أحد المحللين الاقتصاديين أن أي انخفاض طفيف في حجم الضخ اليومي ينعكس فوراً على السوق غير النظامية، ما يزيد العبء على الأسر، ويعكس فشل السياسات في تنظيم التوزيع وضمان وصول الغاز إلى المواطنين بطريقة عادلة.

كما يشير الخبراء إلى أن اعتماد السلطة على الحلول المؤقتة، مثل توفير صهاريج محدودة أو تعزيز الإنتاج جزئياً، لا يحل جذرياً مشكلة الاستقرار في الإمدادات. ويؤكدون أن الحد من آثار هذه الأزمات يتطلب سياسات أكثر استدامة تشمل زيادة الإنتاج، تحديث آليات التوزيع، تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتفعيل الرقابة على السوق السوداء، إضافة إلى برامج توعية المواطنين للتعامل مع أي اختلالات محتملة في التوريد.

ويشدد المحللون على أن الغاز المنزلي أصبح سلعة استراتيجية في حياة السوريين اليومية، وأن أي خلل في توريده ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي. ويصفون الأزمة الحالية بأنها فرصة لتقييم سياسات السلطة وإعادة هيكلة منظومة توزيع الغاز، لضمان عدم تكرار الاختناقات المستقبلية وحماية الأسر من الأعباء الاقتصادية المتزايدة، بدل الاعتماد على الحلول المؤقتة التي أثبتت فشلها المتكرر على مدى السنوات الماضية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى