العفو العام يكشف الفـ ـراغ… جدل الصلاحيات يعيد طرح أزمـ ـة غيـ ـاب السلطة التشريعية

أعاد مرسوم “العفو العام” الذي أصدره رئيس سلـ ـطة دمشق المؤقتة أحمد الشرع خلال الأيام الماضية فتح نقاش سياسي وقانوني واسع حول طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، لكنه في الوقت ذاته سلّط الضوء على أزمـ ـة أعمق تتعلق بغـ ـياب السلطة التشريعية واستمرار فراغ البرلمان بعد أكثر من عام على سقـ ـوط نظـ ـام بشار الأسد. فقد جاء المرسوم في توقيت بالغ الحسـ ـاسية، ليطرح تساؤلات حول شـ ـرعـ ـية إصدار قرارات ذات طابع تشريعي في ظل غيـ ـاب مؤسسة يفترض أنها صاحبة الاختصاص الدستوري في هذا المجال، وهو ما وضع سلطة دمشق المؤقتة أمام مـ ـوجـ ـة انتقـ ـادات تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية وتوازن السلطات.
ورغم إجراء عملية انتخابية غير مباشرة في كانون الأول من العام الفائت أسفرت عن اختيار 119 عضواً من أصل 210 أعضاء، فإن المجلس التشريعي لم ينعقد حتى الآن، فيما بقيت مقاعد شاغرة لمناطق خارجة عن سيطرة دمشق، إلى جانب تأخر تعيين الأعضاء الذين يفترض أن يختارهم رئيس السلطة المؤقتة لاستكمال التمثيل. وقد رُبط هذا التأخير بدايةً بأسباب فنية تتعلق بترميم مبنى البرلمان، قبل أن تظهر تفسيرات أخرى تشير إلى انتظار نتائج التفاوض مع أطراف ميدانية، ما عزز الانطباع بأن الاعتبارات السياسية تتقدم على الاستحقاقات المؤسسية.
ويرى منتقدون أن إصدار العفو العام في ظل هذا الفراغ يمثل تجاوزاً واضحاً لصلاحيات المجلس التشريعي، ويعكس خللاً في إدارة الانتقال السياسي. فبحسب قانونيين، فإن الإعلان الدستوري لا يمنح السلطة التنفيذية حق إصدار عفو عام، الأمر الذي يجعل القرار مثار جدل حول احترام مبدأ الفصل بين السلطات. ويؤكد هؤلاء أن استمرار الفراغ التشريعي يسمح بتوسيع دور السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات الأخرى، ما يهدد بإعادة إنتاج مركزية القرار بدلاً من بناء منظومة حكم تشاركية.
في المقابل، يدافع بعض المقربين من السلطة المؤقتة عن الخطوة باعتبارها ضرورة ظرفية، مستندين إلى أعراف دستورية تتيح لرئيس الدولة إصدار تشريعات في حال غياب البرلمان. إلا أن هذا التبرير لم يخفف من الانتقادات، إذ يرى معارضون أن استمرار غياب المؤسسة التشريعية لا يمكن اعتباره ظرفاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لتأخر السلطة المؤقتة في استكمال بنيتها السياسية. ويشيرون إلى أن البلاد تواجه استحقاقات قانونية واقتصادية ملحة، من إعادة صياغة القوانين إلى تنظيم عملية إعادة الإعمار، وهي ملفات لا يمكن إدارتها بقرارات تنفيذية منفردة.
ويحذر مراقبون من أن تعطّل السلطة التشريعية لا يقتصر أثره على الجدل القانوني، بل يمتد إلى إضعاف الثقة في مشروع الانتقال السياسي برمته، خاصة مع الحاجة إلى مراجعة مئات القوانين التي تعود إلى عقود سابقة. فغياب المجلس يحرم البلاد من منصة رقابية وتشريعية ضرورية لضبط الأداء الحكومي، ويؤخر استكمال البنية المؤسسية المطلوبة لجذب الاستثمارات وتحقيق الاستقرار.
في المحصلة، كشف مرسوم العفو العام عن خلل بنيوي يتجاوز مضمون القرار نفسه، ليطرح سؤالاً مركزياً حول قدرة السلطة المؤقتة على إدارة توازن السلطات واستكمال مؤسسات الدولة. وبينما تبرر السلطة التنفيذية خطواتها بضرورات المرحلة، يرى منتقدون أن استمرار الفراغ التشريعي يمثل نقطة ضعف تهدد مسار التحول السياسي، وتستدعي معالجة عاجلة تعيد الاعتبار لدور البرلمان بوصفه ركناً أساسياً في بناء سوريا الجديدة.



