عام على أحـ ـداث الساحل السوري… جرائـ ـم حـ ـرب وعـ ـدالة غائبة

تركت أحـ ـداث العنـ ـف الد.امية التي شهدها الساحل السوري في آذار عام 2025 عاماً كاملاً خلفها، والتي تعد واحدة من المحطات الدمـ ـوية في سوريا خلال المرحلة التي تلت سـ ـقوط نظـ ـام بشار الأسد. وعلى الرغم من مرور الوقت، ما تزال آثار تلك الأحـ ـداث حاضرة في ذاكرة المجتمع السوري، بينما تبقى الأسئلة الكبرى حول المسؤولية والـ ـعدالة دون إجابات حاسمة.
شرارة تتحول إلى موجة مجازر
بدأت الأحداث في الساحل السوري، ولا سيما في محافظتي اللاذقية وطرطوس، في مطلع آذار 2025، بعد تصاعد التوتر الأمني نتيجة تصعيد وفلتان أمني وتحريض طائفي.
وأرسلت القوات الحكومية تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، وشاركت في العمليات فصائل مسلحة محلية. سرعان ما تحولت إلى موجة واسعة من أعمال العنف، شملت عمليات قتل انتقامية ونهباً وهجمات طائفية استهدفت قرى ومدنيين، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية العلوية.
وخلال أيام قليلة، تصاعدت الأحداث بشكل غير مسبوق، إذ تحدثت تقارير عن وقوع عمليات قتل جماعي وتعذيب وتشويه للجثث في عشرات المواقع المختلفة في الساحل السوري، إضافة إلى نزوح آلاف المدنيين إلى مناطق آمنة أو إلى قاعدة حميميم الروسية.
التقارير حقوقية توثيق المجازر
أثارت أحداث الساحل موجة واسعة من التقارير الحقوقية الدولية والمحلية التي حاولت توثيق حجم الانتهاكات.
فقد وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 1562 شخصاً خلال شهر آذار 2025، بينهم 102 طفل و99 امرأة، إضافة إلى كوادر طبية، نتيجة عمليات قتل خارج نطاق القانون ارتكبتها أطراف مختلفة في النزاع.
كما كشف تحقيق استقصائي عن مقتل نحو 1479 شخصاً على الأقل بين 7 و9 آذار وحدها، في أكثر من 40 موقعاً مختلفاً، إضافة إلى حالات خطف لنساء واحتجازهن في ظروف مهينة، وعمليات نهب واعتداءات واسعة على المدنيين.
وتشير شهادات ميدانية إلى أن بعض القرى تعرضت لهجمات انتقامية منظمة، شملت إعدامات ميدانية وحرق منازل وعمليات تشريد جماعي، ما ترك آثاراً إنسانية عميقة ما تزال مستمرة حتى اليوم.
لجنة التحقيق.. شكوك حول النتائج
في أعقاب الأحداث، أعلنت السلطات السورية تشكيل لجنة وطنية لتقصي الحقائق، في حين أصدرت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة تقريراً خاصاً حول تلك الأحداث.
وخلص التقرير الأممي إلى أن أعمال العنف التي شهدها الساحل السوري قد ترقى إلى جرائم حرب ارتكبها طرفا الصراع، أي القوات الحكومية والمسلحون المرتبطون بالنظام السابق.
أما اللجنة الوطنية السورية فقد أعلنت أنها حددت هوية نحو 298 شخصاً متورطين في أعمال العنف، وأوصت بملاحقتهم قضائياً، مع تحميل المسؤولية الأساسية للمجموعات المسلحة المرتبطة بالنظام السابق.
لكن تقارير أخرى تحدثت عن تورط ما يقارب 600 شخص في الأحداث، بينهم عناصر من الجيش وفصائل مسلحة وعناصر من فلول النظام السابق، ما يعكس تعقيد المشهد وتداخل المسؤوليات.
العدالة الغائبة وعدم محاسبة المسؤولين
رغم تشكيل لجان التحقيق وتوثيق حجم الانتهاكات، لم تشهد الساحة السورية حتى الآن محاسبة واضحة للمسؤولين الرئيسيين عن تلك الجرائم. فحتى مع إعلان بعض التحقيقات واعتقال عدد محدود من الأفراد، ما تزال عملية العدالة بطيئة وغير مكتملة. حيث لم يتم الإشارة إلى المسؤولين وخاصة قيادات عليا من قوات وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة.
ويرى حقوقيون أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إطار متكامل للعدالة الانتقالية، إضافة إلى عدم مواءمة القوانين السورية مع المعايير الدولية الخاصة بمحاسبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو ما يفتح الباب أمام الإفلات من العقاب.
جرح مفتوح في الذاكرة السورية
بعد عام على أحداث الساحل السوري، لا تزال آثار تلك المجازر حاضرة في ذاكرة الضحايا وعائلاتهم. وبينما تتواصل النقاشات حول المسؤوليات السياسية والعسكرية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستتحقق العدالة يوماً لضحايا الساحل؟
فمن دون محاسبة حقيقية وشفافة، ومن دون مسار واضح للعدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية، قد تبقى تلك الأحداث جرحاً مفتوحاً يهدد مستقبل الاستقرار في سوريا لسنوات طويلة قادمة.



