الفقر يتـ ـمـ ـدد في سوريا: ارتفاع أسعار الخضار يكشف الأزمـ ـة المعيشية

تشهد أسواق الخضار في مختلف المحافظات السورية موجـ ـة ارتفاع جديدة في الأسعار مع دخول الثلث الأخير من شهر رمضان، ما يزيد الضغوط المعيشية على الأسر التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وتدهـ ـور الأوضاع الاقتصادية. ويأتي هذا الارتفاع في وقت تتزايد فيه شكـ ـاوى المواطنين من غـ ـلاء المعيشة، بالتزامن مع انعدام فرص العمل وغياب إجراءات حكومية فعالة لتحسين الوضع الاقتصادي أو توفير مصادر دخل مستدامة.
وبحسب ما تم رصده في الأسواق، فقد سجلت معظم أصناف الخضار ارتفاعات ملحوظة خلال الأيام الأخيرة. حيث وصل سعر كيلو البندورة إلى نحو 130 ليرة (بالعملة الجديدة أي 13 ألف ليرة بالعملة القديمة)، والخيار إلى 160 ليرة، بينما بلغ سعر الفليفلة قرابة 180 ليرة، والكوسا نحو 220 ليرات، في حين وصل سعر الباذنجان إلى حوالي 170 ليرة. ويؤكد باعة ومستهلكون أن الأسعار تشهد تغيرات شبه يومية، الأمر الذي يجعل من الصعب على العائلات تنظيم إنفاقها الغذائي أو وضع ميزانية ثابتة لاحتياجاتها الأساسية.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت يعتمد فيه كثير من المواطنين على الخضار كبديل أقل تكلفة مقارنة باللحوم، إلا أن الزيادة الأخيرة طالت هذا القطاع أيضاً، ما انعكس بشكل مباشر على موائد الصائمين خلال الشهر الفضيل. فبعد أن كانت الخضار الخيار الأرخص بالنسبة لكثير من الأسر، أصبحت اليوم تشكل عبئاً إضافياً في ظل ارتفاع أسعار معظم المواد الغذائية.
ولا يقتصر الغلاء على الخضار وحدها، إذ سجّلت منتجات غذائية أخرى ارتفاعات متفاوتة شملت اللحوم الحمراء والبيضاء إضافة إلى الألبان ومشتقاتها.
وتشير تقديرات الأسواق إلى أن بعض السلع الغذائية ارتفعت بنحو 20% مقارنة ببداية شهر رمضان، وهو ما يزيد من صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية للعائلات، خاصة في ظل دخول محدودة أو شبه معدومة لدى شريحة واسعة من السكان.
وتتفاقم الأزمة المعيشية في سوريا مع استمرار تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، حيث يعاني الكثير من المواطنين من صعوبة العثور على وظائف توفر دخلاً ثابتاً.
ويقول السكان إن غياب المشاريع الإنتاجية والاستثمارية أدى إلى تقلص فرص العمل في العديد من القطاعات، الأمر الذي دفع بعض العائلات إلى الاعتماد على الأعمال اليومية أو المساعدات لتأمين احتياجاتها الأساسية بالتزامن مع قيام الحكومة المؤقتة بفصل آلاف العاملين من وظائفهم على خلفيات طائفية.
ويرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية الحالية لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار، بل أيضاً بغياب سياسات اقتصادية فعالة تعالج جذور المشكلة، وعلى رأسها البطالة وتراجع الإنتاج المحلي. كما يشيرون إلى أن الحكومة الانتقالية في سوريا لم تتمكن حتى الآن من توفير برامج واضحة لخلق فرص عمل أو دعم القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تسهم في تحسين دخل المواطنين.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن أي محاولة لضبط الأسعار في الأسواق لن تكون كافية ما لم تترافق مع خطوات عملية لتحسين الواقع الاقتصادي. فاستقرار الأسعار يتطلب دعم الإنتاج الزراعي والحيواني وتخفيف تكاليف الأعلاف والنقل، إضافة إلى تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن توفر فرص عمل جديدة وتساهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد مؤشرات الفقر في العديد من المناطق السورية، حيث أصبحت شريحة كبيرة من السكان غير قادرة على تأمين احتياجاتها الأساسية بشكل منتظم. ويقول مواطنون إن الدخل الشهري إن وجد لم يعد يكفي لتغطية تكاليف الغذاء والسكن والخدمات، ما يدفع الكثير من الأسر إلى تقليص استهلاكها أو الاستغناء عن بعض المواد الغذائية الأساسية.
كما يشتكي بعض العاملين في الأسواق من تراجع حركة الشراء مقارنة بالأعوام السابقة، حيث بات كثير من الزبائن يكتفون بشراء كميات صغيرة من الخضار أو يختارون الأصناف الأرخص فقط. ويؤكد هؤلاء أن الغلاء المستمر انعكس سلباً على النشاط التجاري أيضاً، إذ أدى إلى انخفاض المبيعات وتراجع حركة الأسواق بشكل ملحوظ.
ومع استمرار تقلب الأسعار وغياب الاستقرار الاقتصادي، يبقى المواطن السوري الطرف الأكثر تضرراً من هذه المعادلة، في وقت تتزايد فيه المطالب باتخاذ إجراءات عاجلة تضمن استقرار الأسواق وتوفر فرص عمل حقيقية للمواطنين، بما يساعد الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية ويخفف من حدة الفقر المتفاقم في البلاد.



