استغلال حـ ـادثة كوباني لإشـ ـعال الفتـ ـنة: تصـ ـعيد ممنهج يهـ ـدد السلم الأهلي

كشفت حـ ـادثة كوباني وما تبعها من تطورات عن تعقـ ـيدات المشهد في سوريا، حيث تداخلت العوامل المحلية مع الإقليمية. وبينما تبقى المسـ ـؤولية الأساسية في احتواء التـ ـوتر ومنـ ـع الانتـ ـهـ ـاكات، فإن الطريق نحو الاستقرار يمر عبر تعزيز سيادة القانون، وتمكين المجتمعات المحلية، ورفع مستوى الوعي لمواجـ ـهة محـ ـاولات الفتـ ـنة. وفي ظل هذه المعادلة، بات الحفاظ على السلم الأهلي مسـ ـؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل.

حيث شهدت مدينة كوباني في 21 آذار، خلال الاحتفال بعيد النوروز على سفح تلة مشته نور، حادثة أثـ ـارت جدلاً واسعاً بعد قيام أحد الشبان بإنزال العلم السوري من المنصة المخصصة.

وبحسب ما أعلنته قوى الأمن الداخلي، فقد جرى تحديد هوية الفاعل واعتقاله أصولاً، حيث أقرّ خلال التحقيقات بأن ما قام به كان تصرفاً خاطئاً ناتجاً عن تأثره بأحداث ومشاهد مرتبطة بالاشتباكات الأخيرة في مناطق شمال وشرق سوريا، دون إدراك لتداعيات فعله.

ورغم الطابع الفردي للحادثة، إلا أن تداعياتها لم تتوقف عند هذا الحد، بل سرعان ما جرى استغلالها في سياقات أوسع، ما يطرح تساؤلات جدية حول الجهات المستفيدة من تأجيج التوتر.

تأجيج الصراع بدل احتوائه

وتُظهر المعطيات الميدانية والإعلامية أن تركيا تقف بشكل مباشر وراء محاولات خلق الفتنة بين العرب والكورد، حيث تقوم تركيا بتوظيف مثل هذه الحوادث ضمن سياق أوسع يخدم استراتيجيتها في المنطقة. حيث لجأت الوسائل الإعلامية التابعة لها وأدوات حربها الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تضخيم هذا الحادث الفردي وتحويله إلى أدات لإثارة الانقسام وخلق اقتتال بين الكورد والعرب. ويبدو أن الهدف من ذلك هو إبقاء حالة عدم الاستقرار قائمة، بما يتيح لأنقرة الاستمرار في لعب دور مؤثر في الملف السوري وفق مصالحها، بعيداً عن أي مسار حقيقي للحل أو التهدئة.

فصائل مرتبطة بأنقرة في واجهة الانتهاكات

وفي أعقاب الحادثة، شهدت مناطق عفرين وريف حلب الشمالي اعتداءات طالت مدنيين كورد، لا سيما أولئك العائدين من احتفالات النوروز. وتحدثت مصادر محلية عن تعرض شبان للضرب وتكسير سياراتهم، في سلوك يعكس نمطاً متكرراً من الانتهاكات. وتشير هذه الوقائع إلى تورط فصائل مسلحة تنشط في تلك المناطق، والتي تتحرك ضمن توجيهات تركية، ما يضع مسؤولية مباشرة على هذه الجهات في محاولات خلق الفتنة.

الحاجة إلى موقف حازم

وتكرار مشاهد الاعتداءات مع كل حادثة مشابهة يعكس خللاً عميقاً في ضبط الأمن وحماية المدنيين من قبل سلطة دمشق المؤقتة التي تقف عاجزة عن إيقاف تلك المجموعات المسلحة والمحرضين على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن هنا، تبرز ضرورة اتخاذ موقف واضح يمنع إعادة إنتاج هذه الانتهاكات، سواء عبر إجراءات رادعة أو عبر إعادة تنظيم الوضع الأمني في المناطق المعنية. فاستمرار هذا النمط من السلوك لا يهدد السلم الأهلي فحسب، بل يكرّس حالة من الفوضى التي يصعب احتواؤها لاحقاً.

نحو إدارة ذاتية للملف الأمني

وأحد أبرز الطروحات التي تبرز في هذا السياق هو ضرورة إخراج الفصائل المسلحة من عفرين ومحيطها، وتسليم الملف الأمني لأبناء المنطقة. فالسكان المحليون هم الأقدر على إدارة شؤونهم بما يراعي خصوصية النسيج الاجتماعي ويحدّ من التجاوزات. كما أن إشراك المجتمع المحلي في إدارة الأمن يعزز من الثقة ويحدّ من التدخلات الخارجية التي غالباً ما تكون سبباً في تعقيد الأوضاع بدلاً من حلها.

سيادة القانون: المسار الوحيد للاستقرار

حادثة كوباني، رغم حساسيتها، أظهرت نموذجاً مختلفاً في التعامل معها، حيث جرى توقيف الفاعل والتحقيق معه وفق الأصول القانونية. هذا النموذج يسلّط الضوء على أهمية سيادة القانون كإطار جامع لمعالجة الأزمات. فبدلاً من ردود الفعل العنيفة أو استغلال العشائر العربية عبر تحريضها بين الحين والآخر، يجب أن يُترك المجال للقضاء ليأخذ مجراه بشكل عادل وشفاف، بعيداً عن أي تدخلات سياسية أو عسكرية. فتطبيق القانون بشكل متساوٍ هو الضمانة الأساسية لعدم تحول الحوادث الفردية إلى أزمات مجتمعية.

وعي مجتمعي مطلوب

وما جرى بعد الحادثة يؤكد وجود محاولات واضحة لإثارة الفتنة بين مكونات المجتمع السوري وخصوصاً بين العرب والكورد، عبر استغلال حادث فردي وتحويله إلى مادة للتحريض. وهنا تبرز أهمية الوعي المجتمعي في التصدي لهذه المحاولات، وعدم الانجرار وراء خطاب الكراهية أو التجييش. فالتجارب السابقة أثبتت أن الانقسام الداخلي هو أحد أخطر التحديات التي واجهت السوريين، وأن تجاوزه يتطلب قدراً عالياً من المسؤولية الجماعية.

محاولة لتعكير أجواء إيجابية

ولا يمكن فصل ما جرى عن توقيته، إذ جاءت هذه التطورات عقب احتفالات واسعة بعيد النوروز، التي شهدت أجواءً إيجابية ومشاركة جماهيرية كبيرة وخصوصاً في العاصمة دمشق.

ويبدو أن استغلال الحادثة جاء في سياق محاولة تركيا تقويض هذه الأجواء وإعادة التوتر إلى الواجهة، بما ينسجم مع نمط متكرر من الأحداث التي تعقب أي حالة استقرار نسبي. فتركيا لا تريد ترسيخ أي حالة من الهدوء أو التوافق.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى