تصاعد العـ ـنف في السقيلبية يعيد مخـ ـاوف الأقليات: تهـ ـديد للسلم المجتمعي في سوريا

تشهد سوريا في الآونة الأخيرة تصـ ـاعداً ملحوظاً في وتيرة العنـ ـف والانتـ ـهاكـ ـات، في ظل استمرار هجـ ـمـ ـات الشبـ ـيحة الجدد والمجمـ ـوعات المتـ ـطـ ـرفة التي تسهم بشكل مباشر في زعـ ـزعة الاستقرار وتهـ ـديد أمـ ـن الأقليات. وتأتي أحـ ـداث مدينة السقيلبية في ريف حماة الغربي، التي شهدت توتـ ـرات واعتـ ـداءات يومي 27 و28 آذار 2026، كأحدث مثال على هذا الواقع المتـ ـفاقم، حيث تحولت حـ ـادثة فردية إلى موجـ ـة من العنـ ـف المنـ ـظم الذي استهـ ـدف المدنيين وممتلكاتهم، وأعاد إلى الواجهة مخـ ـاوف عمـ ـيقة تتعلق بمستقبل التعايش المشترك في البلاد.
السقيلبية: حادثة تتحول إلى تصعيد واسع
وبدأت الأحداث بمشاجرة بين مجموعة من الشبان في “شارع المشوار”، لكنها سرعان ما تطورت إلى أعمال تخريب واعتداءات طالت محالاً تجارية ومقاهي وممتلكات خاصة. ومع دخول مجموعات مسلحة مناصرة لسلطة دمشق المؤقتة من مناطق مجاورة، مثل قلعة المضيق، إلى أحياء المدينة ذات الغالبية المسيحية، تصاعدت حدة التوتر، حيث أُطلق الرصاص بشكل عشوائي، ما أدى إلى وقوع إصابات وأضرار مادية، إضافة إلى استهداف أماكن ذات رمزية دينية.
هذه التطورات تعكس حالة من الهشاشة الأمنية وغياب الضبط الفعلي للسلاح، ما يجعل المدن ذات الخصوصية الدينية عرضة للاستهداف في أي لحظة من قبل الشبيحة الجدد. كما أنها تسلط الضوء على الدور الخطير الذي تلعبه الجماعات المتطرفة في استغلال أي حادثة لتوسيع دائرة العنف وتحويلها إلى صراع ذي طابع طائفي.
تغذية الصراع وتهديد الأقليات
ولا يمكن فصل ما جرى في السقيلبية عن السياق الأوسع لوجود جماعات متطرفة في سوريا، والتي تسهم بشكل مباشر في تصاعد الاعتداءات وتهديد أمن الأقليات. هذه الجماعات الموالية للسلطة، التي تعتمد خطاباً إقصائياً، تعمل على تضخيم الخلافات وتحويلها إلى مواجهات مفتوحة، مستهدفة بشكل خاص المكونات الدينية والقومية المختلفة معها دينياً وقومياً.
إن تكرار الاعتداءات وأعمال التخريب، بما في ذلك استهداف الممتلكات الخاصة والمرافق المدنية، يعكس نمطاً ممنهجاً من السلوك، يهدف إلى ترهيب السكان ودفعهم إلى مغادرة مناطقهم. كما أن التجمعات التي تسبق هذه الهجمات، والخطابات التحريضية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد أن ما يجري ليس عفوياً، بل يأتي في إطار تعبئة منظمة تغذي الكراهية وتدفع نحو العنف.
خطاب الكراهية… وقود الفتنة
ومن أخطر ما يرافق هذه الأحداث هو تصاعد خطاب الكراهية، الذي يشكل بيئة خصبة لتبرير الاعتداءات. فالدعوات التحريضية التي تسبق الهجمات، والتبريرات التي تليها، تسهم في خلق حالة من الاستقطاب الحاد، تهدد السلم الأهلي وتضعف فرص التعايش.
وقد برزت خلال أحداث السقيلبية مؤشرات واضحة على هذا الخطاب، سواء من خلال الشعارات التي رُفعت، أو من خلال الدعوات التي انتشرت على وسائل التواصل، والتي حملت طابعاً إقصائياً تجاه الأقليات، لا سيما المسيحيين. ويشكل هذا التصعيد في الخطاب خطراً مضاعفاً، لأنه لا يقتصر على التحريض، بل يمهد لوقوع مزيد من الانتهاكات.
تهديد المتفجرات
وفي سياق متصل، تبرز مخاوف متزايدة من التهديدات باستخدام المتفجرات ضد الأقليات، وهو ما يمثل مرحلة أكثر خطورة في مسار التصعيد. فمثل هذه التهديدات لا تستهدف أفراداً بعينهم، بل تهدد مجتمعات كاملة، وتخلق حالة من الرعب الجماعي تدفع السكان إلى النزوح.
وتحمل هذه التهديدات دلالات خطيرة، إذ تشير إلى استعداد بعض الجهات للانتقال من الاعتداءات المحدودة إلى هجمات واسعة النطاق، ما يستدعي تحركاً عاجلاً لاحتواء الوضع ومنع انزلاقه إلى مستويات أكثر دموية.
تكرار الانتهاكات: نمط مقلق يتوسع جغرافياً
ما جرى في السقيلبية ليس حادثة معزولة، بل يأتي ضمن سلسلة من الانتهاكات التي طالت مناطق مختلفة في سوريا. فقد شهد الساحل السوري في آذار 2025 مجازر بحق العلويين راح ضحيتها أكثر من 1500 شخص، في أحداث وصفتها تقارير دولية بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
كما شهدت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية في تموز 2025 موجات عنف مدمرة، وثّقتها تقارير أممية استندت إلى مئات الشهادات، وأشارت إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة، بينها الإعدام والتعذيب وحرق المنازل. ولم تقتصر هذه الانتهاكات على هذه المناطق، بل امتدت إلى مدن مثل حلب والرقة، حيث تعرض الكورد لاعتداءات أسفرت عن سقوط ضحايا وعمليات تهجير قسري.
هذا النمط المتكرر من العنف يشير إلى وجود خلل بنيوي في إدارة الملف الأمني، ويعكس عجزاً واضحاً في حماية المدنيين، لا سيما في المناطق ذات التنوع الديني والقومي.
شبيحة جدد… وغياب المحاسبة
وفي ظل هذه التطورات، يتحدث مراقبون عن ظهور ما يمكن وصفه بـ”شبيحة جدد”، ينفذون الهجمات دون خوف من المحاسبة، مستفيدين من حالة الفوضى وغياب القانون وتغاضي السلطة المؤقتة عن جرائمهم.
وتُظهر بعض المقاطع المصورة، خلال أحداث السقيلبية، مرافقة آليات الأمن العام للمهاجمين، ما يثير تساؤلات جدية حول دور السلطة المؤقتة في هذه الأحداث.
إن غياب المحاسبة يشجع على تكرار الانتهاكات، ويبعث برسالة سلبية مفادها أن العنف يمكن أن يمر دون عقاب، وهو ما يقوض أسس الدولة ويهدد السلم الأهلي.
الإدارة الذاتية… نموذج للاستقرار النسبي
وفي مقابل هذا المشهد المضطرب، تبرز مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا كنموذج مختلف نسبياً، حيث تُعتبر بيئة أكثر أماناً واستقراراً للأقليات. فقد أثبتت هذه المناطق قدرتها على احتضان مكونات متنوعة، وتوفير الحماية والاستقرار، رغم التحديات الأمنية المحيطة بها.
ويؤكد مراقبون أن الإدارة الذاتية اعتمدت نموذجاً يقوم على التعددية والمشاركة، ما ساهم في تعزيز التعايش المشترك، وجعل هذه المناطق ملاذاً للعديد من الأقليات التي فرت من مناطق النزاع. كما أن إشراك مختلف المكونات في إدارة الشأن العام ساعد في تقليل التوترات، مقارنة بمناطق أخرى تشهد تصاعداً في العنف.
احتجاجات السقيلبية: صوت الأهالي في مواجهة الفوضى
وفي مواجهة هذه الأحداث، خرج أهالي السقيلبية في وقفات احتجاجية، بعضها صامت، للتنديد بما وصفوه بـ”السلاح المنفلت” والأعمال الطائفية، مطالبين بمحاسبة المتورطين وتعزيز الأمن. وتعكس هذه الاحتجاجات رفضاً شعبياً واضحاً للعنف، وتمسكاً بقيم التعايش والسلم الأهلي.
كما دعت جهات سياسية، مثل المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا، إلى فتح تحقيق دولي في الأحداث، معتبرة أن ما جرى يشكل خرقاً للقانون الدولي الإنساني. من جهته، حذر حزب الاتحاد السرياني من خطورة هذه التطورات، داعياً إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان الاستقرار وحماية الأقليات.
الحاجة إلى تحرك عاجل
وتكشف أحداث السقيلبية عن واقع مقلق يتطلب تحركاً عاجلاً على عدة مستويات، بدءاً من ضبط السلاح ومحاسبة المتورطين، وصولاً إلى مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة التعايش. كما أن حماية الأقليات يجب أن تكون أولوية، ليس فقط من منظور إنساني، بل أيضاً كشرط أساسي لاستقرار سوريا ووحدتها.
وفي ظل استمرار التحديات، يبقى الأمل معقوداً على تعزيز النماذج الإيجابية، مثل تجربة الإدارة الذاتية، التي أثبتت أن التعددية يمكن أن تكون مصدر قوة، لا سبباً للانقسام.



