تمثيلٌ شكلي وإقصاءٌ مقنّع: انتخابات مجلس الشعب وإعادة إنتاج العقلية البعثية

صبري عبد السلام

أنهت السلطات الانتقالية عملية انتخاب أعضاء مجلس الشعب عن محافظة الحسكة ومنطقة كوباني، وسط اعتراضات كوردية واسعة على آلية الانتخاب وحجم التمثيل الممنوح للكورد. وبينما جرى الترويج للعملية بوصفها خطوة نحو بناء مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط النظام السابق، فإن النتائج وآلية التشكيل تعكسان، في الواقع، استمراراً لنهج الإقصاء السياسي نفسه الذي حكم الحياة السورية لعقود طويلة، مع اختلاف في الأدوات والأسماء فقط.

فالأرقام وحدها تكشف حجم الخلل في التمثيل؛ إذ حصل الكورد على خمسة مقاعد فقط من أصل 210 مقاعد في مجلس الشعب، رغم كونهم ثاني أكبر قومية في البلاد، ورغم الثقل الديمغرافي والسياسي الذي يمتلكونه في شمال وشرق سوريا. ولم يقتصر الأمر على ضعف التمثيل العددي، بل تعدّاه إلى تكريس منطق “المحاصصة المضبوطة” بين العرب والكورد، بما يوحي بأن السلطات الانتقالية لم تتعامل مع المواطنين على أساس الكفاءة أو الإرادة الشعبية، بل وفق حسابات توازنات ضيقة تهدف إلى ضبط الحضور الكوردي لا الاعتراف بحقوقه السياسية.

في كوباني، جرى منح مقعد لمرشح عربي وآخر لكوردي، وكأن المدينة ذات الغالبية الكوردية تحتاج إلى “توازن قومي” مفروض من فوق، لا إلى تمثيل يعكس واقعها السكاني والسياسي. والأمر ذاته تكرر في الحسكة والقامشلي والمالكية، حيث بدا واضحاً أن توزيع المقاعد تم وفق معادلة جاهزة هدفها منع أي حضور كوردي وازن داخل المجلس، حتى في المناطق التي يشكل فيها الكورد ثقلاً أساسياً.

الأخطر من ذلك أن العملية برمّتها لم تقم على انتخابات مباشرة وحرة، بل على آلية “الهيئة الناخبة” التي تتولى اختيار ثلثي أعضاء المجلس، وهو ما يحوّل العملية إلى شكل من أشكال التعيين السياسي المقنّع. فبدلاً من أن تكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء الشرعية السياسية في سوريا الجديدة، تحولت إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة ذاتها بعقلية مختلفة شكلياً فقط. إن اعتماد هيئات منتقاة مسبقاً لاختيار النواب يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، ويجعل الحديث عن تمثيل شعبي مجرد واجهة سياسية لا أكثر.

كما تكشف النتائج استمرار التهميش البنيوي للمرأة في الحياة السياسية؛ إذ لم تضم قائمة “المنتخبين” سوى امرأة واحدة فقط هي فصلة يوسف عن مدينة الحسكة. وهذا الرقم لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً، بل يعكس غياب الإرادة الحقيقية لإشراك النساء في صناعة القرار، رغم كل الخطابات التي تتحدث عن الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان. فكيف يمكن الحديث عن انتقال سياسي وتمثيل وطني شامل، بينما يتم إقصاء نصف المجتمع بهذا الشكل الفج؟

الرفض الكوردي الواسع لهذه الانتخابات لم يكن مفاجئاً، بل جاء نتيجة تراكم طويل من السياسات الإقصائية. وقد عبّرت 24 حزباً وتجمعاً سياسياً كوردياً عن هذا الرفض بوضوح، معتبرة أن تخصيص خمسة مقاعد فقط للكورد يشكل “إعداماً سياسياً” لحقوقهم، ومطالبة بتمثيل لا يقل عن 40 مقعداً. هذه المطالب لا يمكن اختزالها في إطار نزاع على الحصص، بل تعبّر عن أزمة أعمق تتعلق بالاعتراف بالشراكة الوطنية الحقيقية للكورد في مستقبل سوريا.

وفي هذا السياق، تبدو المقارنة التي طرحتها القوى الكوردية بين سياسات السلطات الانتقالية الحالية وسياسات حزب البعث ذات دلالة كبيرة. فجوهر الاعتراض لا يتعلق فقط بعدد المقاعد، بل بالعقلية السياسية التي ما تزال تنظر إلى الكورد باعتبارهم مكوّناً ينبغي احتواؤه وضبطه، لا شريكاً سياسياً كاملاً في الدولة. لقد سقط النظام السابق، لكن كثيراً من أدواته وأساليبه ما تزال حاضرة، سواء عبر التحكم بنتائج الانتخابات، أو عبر هندسة التمثيل القومي بما يخدم مركزية السلطة.

إن أي عملية انتقال سياسي حقيقية في سوريا لا يمكن أن تنجح عبر إعادة تدوير الإقصاء بصيغ جديدة. فالديمقراطية لا تُقاس بعدد صناديق الاقتراع فقط، بل بمدى احترام الإرادة الشعبية، وعدالة التمثيل، والاعتراف بالتنوع القومي والسياسي. وأي محاولة لتهميش الكورد أو اختزال حضورهم ضمن حدود مرسومة مسبقاً لن تؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة، وتكريس الانقسام، وإضاعة فرصة بناء دولة تقوم على الشراكة والمواطنة المتساوية.

 

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى