مركز ألما الإسرائيلي: إعادة تنظيم الجيش السوري: خمسة فيالق إقليمية وبنية قيادية جهـ ـادية لم تتغير

أفاد تقرير صادر عن مركز ألما للأبحاث والتعليم في إسرائيل بأن وزارة الدفاع السورية تعمل على إعادة هيكلة الجيش السوري الجديد عبر الانتقال من نظام يعتمد على الفرق العسكرية المنفصلة إلى هيكلية تقوم على خمسة فيالق إقليمية، بحيث يتولى كل فيلق مسؤولية قطاع جغرافي محدد ويشرف على عدد من الفرق العسكرية.

ووفق التقرير، الذي أعدته الباحثة دانا بولاك، فإن هذه الخطوة تبدو في ظاهرها إصلاحاً تنظيمياً يهدف إلى تحسين منظومة القيادة والسيطرة داخل المؤسسة العسكرية، إلا أن دراسة خلفيات القادة المقرر توليهم قيادة الفيالق، بحسب المركز، تشير إلى استمرار الاعتماد على شخصيات قيادية من الفصائل المسلحة السابقة.

وأشار التقرير إلى أن أربعة من أصل خمسة قادة للفيالق هم من القيادات السابقة في هيئة تحرير الشام، التي تطورت من جبهة النصرة، بينما ينحدر القائد الخامس من صفوف الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا.

التقرير الكامل:

في نهاية شهر حزيران/يونيو 2026، أفادت عدة وسائل إعلام سورية وقنوات على تطبيق “تلغرام” بأن وزارة الدفاع السورية تمضي قدماً في تنفيذ إصلاح شامل لبنية الجيش السوري الجديد. ووفقاً لهذه التقارير، من المتوقع أن ينتقل الجيش من هيكلية قائمة على الفرق العسكرية المنفصلة إلى تنظيم يعتمد على خمسة فيالق إقليمية، بحيث يشكل كل فيلق قيادة عسكرية مسؤولة عن قطاع جغرافي محدد وتشرف على عدد من الفرق التابعة لها.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأنه إصلاح تنظيمي يهدف إلى تعزيز منظومة القيادة والسيطرة داخل المؤسسة العسكرية. إلا أن التدقيق في هوية القادة الذين سيتولون قيادة هذه الفيالق يشير إلى أن هذا الإصلاح لا يرافقه تغيير جوهري في هرم القيادة العليا. فأربعة من أصل خمسة قادة للفيالق هم قياديون سابقون بارزون في “هيئة تحرير الشام”، التنظيم الذي نشأ وتطور من “جبهة النصرة”، الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا.

وفي تموز/يوليو 2025، نشر مركز ألما للأبحاث والتعليم تقريراً خاصاً تناول الجيش السوري الجديد، واستعرض بنيته التنظيمية وتشكيلاته العسكرية وقياداته وخلفياتها الفكرية والتنظيمية.

ويبدو أن الهدف من إنشاء هذه الفيالق الإقليمية يتمثل في إعادة تنظيم سلسلة القيادة، وتوحيد التشكيلات العسكرية المختلفة التي نشأت منذ تأسيس الجيش الجديد، وبناء جيش نظامي يمتلك هيكل قيادة أكثر وضوحاً وقدرة على نشر القوات بسرعة وكفاءة على مختلف الجبهات داخل البلاد.

ومن المهم التأكيد على أنه حتى لحظة إعداد التقرير، لم تصدر وزارة الدفاع السورية أي بيان رسمي يؤكد تنفيذ هذه الإصلاحات، كما لم يُنشر أي مرسوم رئاسي أو وثيقة حكومية تعتمد الهيكلية الجديدة بشكل رسمي. وتعتمد المعلومات المتداولة على تقارير نشرتها وسائل إعلام سورية وقنوات عبر “تلغرام” في 29 حزيران/يونيو 2026، تحدثت عن أن القرار جاء نتيجة نقاشات داخلية جرت ضمن وزارة الدفاع.

ومع ذلك، فإن وجود عملية إعادة تنظيم عسكرية واسعة النطاق ينسجم مع مسار بناء الجيش السوري الجديد الذي يتواصل برعاية تركية منذ مطلع عام 2025. فمنذ الأيام الأولى لتولي الحكومة الانتقالية مهامها، بدأت جهود حثيثة لتوحيد عشرات الفصائل المسلحة ضمن إطار عسكري موحد، وإعادة بناء هرم القيادة، وتأسيس تشكيلات عسكرية نظامية. لذلك، حتى لو لم يتم تأكيد تفاصيل مشروع الفيالق الخمسة رسمياً حتى الآن، فإنها تتوافق منطقياً مع عملية بناء المؤسسة العسكرية السورية الجديدة.

خمسة فيالق إقليمية وتقسيم جديد للمهام

الفيلق الشرقي

القائد: العميد أحمد محمد الجاسم، القائد الحالي للفرقة 62، والقائد السابق لفرقة السلطان سليمان شاه المنضوية ضمن الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا.
الفرق التابعة: 42 و66 و72 و86.

منطقة المسؤولية: دير الزور، البوكمال، الرقة، الحسكة، والحدود العراقية.

أما فيما يتعلق بالملف الكردي، فيشير التقرير إلى أن أحمد محمد الجاسم يخضع لعقوبات دولية بسبب أفعال نُسبت إليه خلال الحرب السورية، ولا سيما انتهاكات استهدفت مجتمعات كردية، شملت عمليات خطف وقتل وتعذيب وانتهاكات أخرى.

الفيلق الشمالي

القائد: العميد عواد الجاسم، القائد الحالي للفرقة 60. وكان سابقاً أحد قادة جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام، حيث تولى قيادة قطاع حلب خلال سنوات الحرب السورية، وأصيب خلال المعارك ضد قوات النظام السابق.
الفرق التابعة: 60 و62 و76 و80.

منطقة المسؤولية: حلب، عفرين، منبج، والحدود التركية.

المهام الرئيسية: تبقى مناطق شمال سوريا مركز النفوذ التركي الأبرز، حيث تنشط منذ سنوات الفصائل المسلحة المدعومة من أنقرة ضمن الجيش الوطني السوري. ومن المتوقع أن يتولى الفيلق مسؤولية الإشراف على الحدود التركية، ومواجهة القوات الكردية، والحفاظ على السيطرة في المناطق التي ما تزال تركيا تحتفظ فيها بحضور عسكري وسياسي مؤثر.

الفيلق المركزي

القائد: العميد هيثم خالد العلي، القائد الحالي للفرقة 52، وأحد القياديين السابقين في جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام.

الفرق التابعة: 40 و52 و54 و82.

منطقة المسؤولية: حمص، حماة، والبادية السورية.

المهام الرئيسية: من المتوقع أن يتولى الفيلق مسؤولية إدارة المناطق الوسطى من البلاد، إضافة إلى البادية السورية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أبرز ساحات نشاط تنظيم داعش. كما سيكون مسؤولاً عن تأمين الطريق الدولي M5، الشريان الحيوي الذي يربط دمشق بحلب.

فيلق دمشق والجنوب

القائد: العميد عمر محمد جفتشي، المعروف باسم “مختار التركي”، وهو مواطن تركي الجنسية. يشغل حالياً قيادة فرقة دمشق، وكان سابقاً مسؤولاً عن الجناح العسكري لجبهة النصرة في منطقة حلب، قبل أن يتولى مناصب قيادية متقدمة في جبهة فتح الشام ثم هيئة تحرير الشام.

ويُعد جفتشي من أقرب الشخصيات إلى الرئيس أحمد الشرع وأكثرها ثقة لديه، كما يُصنف باعتباره أحد مؤسسي هيئة تحرير الشام. وتشير تقارير متعددة إلى أنه يحتفظ بعلاقات وثيقة مع أجهزة الاستخبارات التركية، وعمل في فترات سابقة كحلقة وصل معها.

الفرق التابعة: 44 و64 و70.

منطقة المسؤولية: دمشق وريف دمشق ودرعا والقنيطرة والحدود مع إسرائيل والحدود اللبنانية.
المهام الرئيسية: من المنظور الإسرائيلي، يُعد هذا الفيلق الأكثر أهمية بين الفيالق الإقليمية، نظراً لمسؤوليته عن الحدود مع إسرائيل ولبنان، وعن جنوب سوريا والعاصمة دمشق. وبناءً على ذلك، فإن أي تطور أمني في الجولان أو المنطقة العازلة أو جنوب سوريا عموماً يُتوقع أن يندرج ضمن نطاق مسؤولياته.

الفيلق الغربي والساحلي

القائد: العميد منير الشيخ، القائد الحالي للفرقة 56، وأحد القياديين السابقين في جبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام.

وخلال سنوات الحرب السورية، تولى قيادة عدة قطاعات في شمال غرب البلاد، شملت حماة وجبل الزاوية وجنوب حلب، كما قاد ألوية “أبو بكر الصديق” و”عثمان بن عفان” ضمن هيئة تحرير الشام.

الفرق التابعة: 50 و56 و74 و84.

منطقة المسؤولية: اللاذقية، طرطوس، جبلة، وجبال العلويين.

كما تشمل المنطقة الواقعة ضمن نطاق هذا الفيلق الوجود العسكري الروسي في سوريا، بما في ذلك قاعدة حميميم الجوية.

دلالات إعادة التنظيم
يرى التقرير أن ما يجري لا يقتصر على كونه تعديلاً إدارياً أو تنظيمياً، بل يمثل تحولاً في مفهوم هيكل القيادة العسكرية نفسه.

فحتى الآن، اعتمد الجيش السوري الجديد بصورة أساسية على فرق عسكرية تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية، فيما احتفظ العديد منها بروابط وثيقة مع الفصائل المسلحة التي انحدرت منها. وتسعى وزارة الدفاع حالياً إلى استحداث مستوى قيادي جديد يتمثل في الفيالق الإقليمية، بحيث تشرف كل قيادة فيلق على عدة فرق وتتولى إدارة النشاط العسكري ضمن نطاقها الجغرافي.

ومن خلال هذه الخطوة، تهدف السلطة إلى إنشاء سلسلة قيادة أكثر وضوحاً، وتعزيز السيطرة على القوات العسكرية، وتسريع آليات اتخاذ القرار، وإتاحة مرونة أكبر في تحريك القوات وفقاً للتحديات الأمنية المتغيرة على مختلف الجبهات السورية.

إلا أن السؤال الأساسي، بحسب التقرير، لا يتعلق بالشكل التنظيمي الجديد بقدر ما يتعلق بالأشخاص الذين سيتولون قيادة هذه الفيالق.

فإعادة التنظيم، من وجهة نظر معدّي التقرير، لا تعكس تحولاً جوهرياً في طبيعة الجيش السوري الجديد، بل تمثل استمراراً لعملية دمج وإضفاء الطابع المؤسسي على القوة العسكرية التي تشكلت أساساً من الفصائل المسلحة السابقة، مع إعادة ترتيب مراكز النفوذ ذاتها ضمن إطار تنظيمي مختلف.

ويخلص التقرير إلى أن القضية الأساسية، من منظور إسرائيلي، ليست كيفية تنظيم الجيش فحسب، بل هوية القادة الذين يتولون قيادته. فوجود أربعة قادة فيالق من خلفية هيئة تحرير الشام، إلى جانب قائد واحد قادم من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، يشير إلى أن الجيش السوري الجديد ما يزال يعتمد على بنية قيادية متجذرة في الفصائل المسلحة السابقة، والتي يرى التقرير أن معظمها يحمل خلفيات فكرية سلفية جهادية. ولذلك، فإن فهم الخلفيات التنظيمية والفكرية لهؤلاء القادة يُعد عاملاً أساسياً في تقييم طبيعة الجيش السوري مستقبلاً، وحجم التحديات الأمنية التي قد يمثلها بالنسبة لإسرائيل.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى