أزمـ ـة السيولة تـ ـؤرق مزارعي الحسكة.. مستحقات القمح عـ ـالقة والأسواق أمام شـ ـلل نقدي

تتفـ ـاقم الأزمـ ـة المالية في محافظة الحسكة، مع استمرار تأخر صرف مستحقات مزارعي القمح، بالتزامن مع شـ ـحّ حـ ـاد في السيولة النقدية من العملة الجديدة، ما انعكس على الحركة التجارية وأثـ ـقل كـ ـاهل المزارعين بالديون والالتزامات، وسط مخـ ـاوف من تداعيات الأزمـ ـة على الموسم الزراعي المقبل.

ويعيش مزارعو الحسكة حالة من الاستياء، بعد تسليم محاصيلهم من القمح إلى الصوامع الحكومية منذ منتصف حزيران الماضي، دون الحصول على مستحقاتهم المالية حتى الآن. وبحسب إفادات مزارعين، فإن المصرف الزراعي في الحسكة أبلغ بعضهم بأن فواتيرهم صدرت رسمياً، إلا أن عدم توفر السيولة يحول دون صرفها، مع اقتصار عمليات الدفع على أعداد محدودة يومياً.

وقال أحد المزارعين في ريف أبو راسين إن المصرف أبلغه بصدور الفاتورة الخاصة بمحصوله، لكنه لم يتمكن من استلام مستحقاته بسبب نقص السيولة، مشيراً إلى أن أعداد المستفيدين الذين يجري صرف مستحقاتهم يومياً لا تتجاوز نحو 50 إلى 70 اسماً.

وأوضح أن تأخر صرف الأموال وضعه أمام ضغوط مالية متزايدة، في ظل تراكم الديون المستحقة لأصحاب الحصادات وناقلات المحاصيل والصيدليات الزراعية، إضافة إلى صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، في ظل أزمة الحصول على العملة الجديدة.

ديون تتراكم وموسم جديد يقترب

ولا تقتصر تداعيات تأخر صرف مستحقات القمح على المزارعين الذين ينتظرون أموالهم، بل تهدد بامتداد الأزمة إلى الموسم الزراعي المقبل، خصوصاً مع اقتراب موسم حصاد القطن.

وقال مزارع آخر من ريف الدرباسية إن المنطقة لم تشهد أزمة مالية بهذا الحجم منذ نحو 18 عاماً، معرباً عن مخاوفه من الدخول في موسم جديد قبل حصول المزارعين على أثمان محاصيلهم السابقة.

وطالب الجهات المعنية بالإسراع في ضخ الأموال، ووضع آلية واضحة وفعالة تضمن وصول المستحقات إلى جميع أصحابها، محذراً من أن استمرار التأخير سيزيد من الأعباء على المزارعين ويضعف قدرتهم على تمويل احتياجات الموسم المقبل.

وتأتي هذه الأزمة في وقت يعتمد فيه القطاع الزراعي في الحسكة بشكل كبير على السيولة الناتجة عن تسويق المحاصيل، إذ يستخدم المزارعون عائداتها لسداد تكاليف الزراعة والحصاد والنقل، وتأمين مستلزمات المواسم التالية، إضافة إلى تغطية احتياجاتهم المعيشية.

نقص العملة الجديدة يجمّد الأسواق

بالتوازي مع أزمة مستحقات القمح، تعاني أسواق الحسكة من شح في السيولة النقدية، ولا سيما الفئات الجديدة من العملة، وسط صعوبات في تداول الأوراق النقدية القديمة.

وأفاد أحد سكان مدينة الحسكة بأن الأسواق تشهد جموداً شبه تام منذ أكثر من شهر، نتيجة نقص ضخ العملة الجديدة ورفض التعامل بالفئات النقدية القديمة في بعض المعاملات.

وقال إن الحصول على العملة الجديدة بات يمثل عائقاً أمام السكان حتى في تأمين الاحتياجات اليومية، الأمر الذي أدى إلى تراجع حركة البيع والشراء وتعطيل جزء كبير من النشاط التجاري والخدمي.

وتحولت أزمة السيولة بذلك من مشكلة مرتبطة بالمصارف وصرف مستحقات المزارعين إلى أزمة تمس مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، مع صعوبة إجراء المعاملات اليومية وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

“حتى سنوات الحصار لم نشهد مثل هذه الأزمة”

وتعكس شهادات السكان حجم الضغوط التي فرضتها الأزمة على المنطقة، إذ عبّر أحد المواطنين عن استيائه من توقف حركة الأسواق، معتبراً أن الوضع الحالي يمثل أزمة مالية غير مسبوقة بالنسبة إليه.

وقال إن المنطقة، وفق وصفه، لم تصل حتى خلال أصعب سنوات حكم بشار الأسد والحصار الاقتصادي إلى هذا المستوى من الشلل المالي وتوقف حركة السوق.

وتشير هذه الشهادة إلى اتساع نطاق الأزمة من القطاع الزراعي إلى مختلف الفئات الاقتصادية، في ظل اعتماد الأسواق المحلية على توفر السيولة وقدرة المزارعين والموظفين والسكان على الإنفاق.

أزمة تتجاوز تأخر دفعات القمح

وتكشف التطورات في الحسكة عن ترابط واضح بين أزمة السيولة وتأخر مستحقات المزارعين وحركة الأسواق المحلية. فعدم صرف أثمان القمح يحرم شريحة واسعة من السيولة التي تحتاجها لتسديد الديون وتمويل الموسم الزراعي، فيما يؤدي نقص النقد المتداول إلى الحد من قدرة السكان والتجار على إتمام معاملاتهم.

ويخشى المزارعون من أن يؤدي استمرار الوضع إلى تعطيل الدورة الاقتصادية المرتبطة بالزراعة، خصوصاً مع اقتراب مواسم جديدة تحتاج إلى تمويل مسبق لشراء البذار والأسمدة والوقود ودفع أجور العمال والنقل والحصاد.

وفي ظل ذلك، تتزايد المطالب بتدخل الجهات المعنية بصورة عاجلة، عبر تأمين السيولة الكافية للمصرف الزراعي، وتسريع صرف مستحقات القمح، وضمان وصول الأموال إلى جميع المزارعين، ومعالجة أزمة تداول العملة الجديدة.

فاستمرار الأزمة لا يعني فقط تأخير دفعات مالية، بل يهدد بتحويل قطاع يعتمد عليه جزء كبير من اقتصاد الحسكة إلى حلقة من الديون والكساد، فيما تبقى الأسواق المحلية عالقة بين نقص السيولة وتراجع القدرة الشرائية.

مشاركة المقال عبر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى